الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«هواء.. لا يوشك على الوجوم « ليزن محادين.. رافعة صوب الشمس

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2019. 01:00 صباحاً

نايف النوايسة
قد يعزل الانسان نفسه حيناً من الدهر عن الناس هرباً من حمأة الواقع ونُشداناً لواقع جديد يتوهمه أكثر راحة وأقل تعالقاً مع منغصات الحياة، بيد أن ما يبدو له من ثنايا هذا التوهم يجعله يتراجع من عزلته ويبدأ رحلة راحته بتلمسها بين الناس كَرْهاً باعتباره مطبوعا على التمدن، وطَوْعاً لأنه مستخلف في الأرض وهذا الأمر يحتم عليه الوقوف بصلابة وبيرق اليقظة لا يفارق قبضته.


هذا الشعور مازج نفسي وأنا أعاين هذا العنوان اللافت(هواء.. لا يوشك على الوجوم) ليزن المحادين، فوجدت نفسي في تحدٍ لمواجهة ثلاثة جدران صلبة هي:
يزن محادين هذا الشاب الجميل الذي ابتلاه الله تعالى بمرض لعين وقرر أن يواجهه بصلابة وعنفوان وعناد.
ومرض التليف الكيسي الذي تربّع واسترخى في ردهات رئة يزن، ويعلن بين جرعات العلاج أنه باقٍ، ولن أختار أحداً غير يزن، فافعلوا بي ما أنتم فاعلون(نعيش مع بعض ونموت مع بعض).
وهذا الكتاب الذي تضمّن البيانات النارية ليزن والتي تبين حالة الصمود والمواجهة مع المرض وكأنه جندي شجاع على الثغور ويرصد بعينيه وقلمه هجمات العدو اللعين عليه.
من خلال رحلتي مع الكتاب سيكون يزن معي متداخلا لنرصد وقائع المعركة بدقة، والرحلة تحتاج لصبر أيوب في سبيل الوصول الى أدنى فضاءات هذا الـ(يزن الأيوبي الصابر).
استيقظ يزن بعد ثوانٍ من ولادته ليجد نفسه في معركة مع (التليف الكيسي) هذا الرفيق الذي لازمه منذ تخلقه في رحم أمه وكان توأمه الغريب.. رحلة صعبة وقاسية، فكيف يصف يزن توأمه المتعب؟
ببساطته التي تنهل من معين ايماني راسخ يقول:
(الاعتراف والبوح جزء من العلاج ) وهو كلام دقيق ولا يأتي إلا من نفس عظيمة متيقنة وقوية، ويقول:(عندما أيقنت بالإصابة بعد رحلة شك طويلة كنت أفكر في الألم الذي سأسببه للآخرين أكثر من التفكير بنفسي، كنت أبحث عن أسباب التليف فوجدت أنه لا يصيب أحداً بل هي طفرة جينية لعينة، وكنت أعلم أنه لا يصاب بهذا المرض إلا الأوروبيون أو السود لتخالط الجنسيين مع بعض وانعدام ايمانهم).
هذه عتبه مهمة يخطو من فوقها الكاتب إلى باحة هذا المرض تتقدمه العزيمة والقوة وهو يكمل: (في حلبة ملاكمة ضد المرض رغم حضور الموت في ثرثرتي اليومية كنت دائما وما زلت مقتنعاً بفكرة أن الإنسان عندما يتحدث عن الموت فهناك إحساس داخلي بانه غير معني بالفكرة) وهذه عتبة أخرى للإيمان ومواجهة المرض بأسلحة التسليم الكامل لله، ويستمر( فالمعركة ضد التليف ليست قضية سهلة وتجعلني اتخلص من جميع عاداتي ولا مجال هنا أن اختار الطريق بنفسي فأنا لا أضع الشروط، فهم من يملون علي الشروط وما آكله وما لا آكله ويحددون لي ساعة نومي وساعة استيقاظي فأنا رهينة بين أيديهم رهينة بين مخالب التليف المرض يسلب مني الإرادة والشهية والاحساس باني على قدم المساواة مع الآخرين) ويتجلى هذا الاعتراف بأوج ما يصل إليه حينما يقول: ( أنه ولد في داخلي عقدة النقص باني لا أشبه الآخرين ولا أمتلك أهم شيء يملكونه وهو سلطة القرار) ويعترف بمرارة حينما يُفصح عن اسمه قائلاً (أنا يزن محادين أعيش بين الحياه والموت وهذا هو اليوم الثاني في المستشفى أصبحت أتنفس الأكسجين أنا إنسان عاجز عن النوم براحة وعاجز عن السفر والأكل وعن الذهاب إلى إي مكان مثل الآخرين)
بعد أن تيقن يزن من شدة هذا الابتلاء أكد لنفسه ما يلي : الإيمان المطلق بالله وبنعمه،  وتقديم الشكر لكل أحبابه وأهله وأصدقائه لوقوفهم إلى جانبه، وأن الحياه مليئة بالتجارب الإنسانية كتجربة التعب والمرض فوجد بأنه يعيش تجربة الم.
 واجهة مع هذا المرض
قادته هذه التجربة إلى الاهتمام بصحته والتطلع إلى يوم جديد يعيشه وأن أدنى شيء يمكن ان يواجهه في هذه الحياة هو المرض حتى وإن كان خطيراً، وعلى المرء أن لا يذهب بعيدا في التفكير طالما أن كل شيء في الحياة مقدر ومكتوب من الله، ومن هنا توصل يزن إلى أن يعمل بمضمون الآية الكريمة( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
ويستمر يزن في كتابة سيرته عن المرض وهو يؤكد في كل مفصل من مفاصل كتابه أنه قوي وصلب في مواجهته معه ويتحداه بالرغم من شدة قبضته وعدم الاعتراف به كمرض لعين مثل بقية الأمراض المتفشية، فضلاً التكاليف الباهظة لعلاجه.
ولم يكن أمام يزن إلاّ أن يرفع من درجة التحصين النفسي الإيماني بوجه الموجات العاصفة لـ( التليف الكيسي)
هي معركة شرسة وصعبة يعيشها هذا الشاب الذي يواجه تجربة قاسية ليس مع المرض وإنما مع هاجس الموت في كل لحظة ولا يفصله عنه إلا لحظات خاطفة، ومع ذلك فهو يمتلك نفساً عظيمة وعزيمة ثابتة ليوجه معركته ضد المرض توجيها إيجابيا تدل على شجاعته فيكتب اعترافاته التي رصدت كل ثانية من ثواني حياته وكل نَفَسٍ يتردد ما بين شهيق وزفير.
 فتثمر مواجهته بإصدار هذا الكتاب الفريد بأسلوبه الأدبي الراقي ولغته السليمة والصراحة التي قل نظيرها، وكان بإمكان يزن أن يستسلم للمرض وينتظر الموت بسلام كبقية المرضى سواء بالتليف أو بأي آخر.
لقد استخرج لنا من عصارة فكره الصحيح ونفسه القوية هذا النتاج الثقافي الراقي والذي يجعلنا ان نتعامل مع يزن الأديب والكاتب والمثقف وليس مع يزن المريض والمهدد بالموت والذي يستجدي الشفقة لا سمح الله.يزن أمامي ليس هو هذا الشاب الضعيف من مرضه وإنما  هو الصديق والزميل الذي يواجه المرض بقوة وعناد مثل بقية خلق الله وهو بمصاف أصح الأصحاء؛ لأنه استقوى على محنته وابتلائه بصبر أيوب فكان بطلا في معركته ونبيلاً في تعامله ومؤمناً حقاً بما كتبه الله له.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش