الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بضربة سيف

رمزي الغزوي

الاثنين 1 حزيران / يونيو 2015.
عدد المقالات: 1974


عندما ضبطني أبي أمصُّ سيجارة أطول مني!، كنت اختلستها من علبته بإغراء من شخيره العالي؛ جنَّ جنونه، وهو يرأني مغمورا بسحابة دخاني في ظل السور، فصفعني على ظهري، ووخز أصابعي بزهرة سيجارتي، فهربت مولولاً إلى بيت جدي، بعد أن جمعت ثيابي وألعابي!.
استقبلني جدي بحنانه المصفّى؛ فتباكيت على وسادة صدره محشرجاً، راوياً أفياء قصتي الدخانية، حسب مقتضيات خيالي المكبر؛ فمسح دمعي بطرف كوفيته، ووعدني بأخذ حقي بالصاع الوافي من حضرة أبي حين يراه، ثم أخرج علبة الهيشي (التبغ البلدي) من جيب (ديمايته)، وراح يلفُّ لي سيجارةً برؤوس أصابعه المدربة، لفاً يشبه تقميط طفل رضيع!.
أنت رجل!. هكذا قال لي برزانة وجدية، وأضاف: والرجل يدخن!، ويتحمل ثمن رجولته، فهززت رأسي ناشقاً بواقي دمعتي، ومن بعيد تتوسله جدتي، أن يتركني وشأني، فالسيجارة ستقضي عليَّ!، لكنه يشعلها بهدوء ويقدمها لي، بعد أن يأخذ منها نفساً طويلاً، تناولتها بزهو، وسحبت نفساً عميقاً، فجحظت عيناي كحبتي فطر وازرق خاتم شفتي، وحسبتني لن أعود للحياة!.
طبَّل جدي على دفة ظهري، بعدما أخذ السيجارة مني، شاتماً الدخان ومكتشفه وزارعه، وعندما عادت لي جذوة حياتي، سألني بطريقة المعلم الحاذق: هل ستدخن ثانية أيها (الزلم) الصغير؟!. وربما كانت هزهزة راسي لجدي تكفي لتردعني عمراً أو عمرين، عن براثن السيجارة وخبثها، لكني ما أن اخضرَّ شاربي وغلظ صوتي، حتى انجرفت إليها مرة أخرى، ضارباً عرض الحائط وعدي لجدي، ألا أدخن ثانية!!.
قبل ثمانية عشرة سنة قررت قراراً بائنا بينونة كبرى أن أخلص من هذه العادة (التدخين عادة، وليس حاجة) بعد معاقرة له عشرة أعوام، فتوقفت عن التدخين بطريقة (ضربة السيف)!، أي بلا مقدمات والتفافات، ودون تخطيطٍ أو تخفيفٍ أولي من علبتين إلى علبة!، ودون استخدام العلكة والأدوية، ومعاجين الأسنان، لكني تركت عادتي بإشعال فتيل إرادتي؛ وإمعانا بالتحدي أبقيت عنق سيجارة مطلا من علبته على طاولتي أمام نواظري لأيام عديدة، وكان لي ما أردت!، وإذا كنت أعتز بشيء فعلته، فتركي للسيجارة بهذه الطريقة هو ذلك الشيء!.
أمس احتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة التدخين، وهذه مناسبة مواتية أن ننظر لفاتورتنا التبغية، بعين فاحصة، إلى إين وصلت؟!، وكن نحرق من الملايين؟؟!. وللنظر لأطفال المدارس المدخنين، وإلى الآباء القدوة الذين لا يتوانون عن التدخين في حضرة أبنائهم، ننظر إلى حجم الأمراض التي تصيبنا، ونسب السرطانات التي تقتلنا. وإلى المدخنين الذين لم يدركوا معنى فرض دخانهم على الآخرين. وهي مناسبة مواتية أن يكون اليوم فرصة لمن أراد أن ينعم بالحياة ومذاقها الحقيقي، بلا سجائر. جربوا ضربة السيف!!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش