الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحكواتية

إسماعيل الشريف

الأحد 25 آب / أغسطس 2019.
عدد المقالات: 115


(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)– 3 يوسف
لا يوجد أجمل وأمتع وأكثر إقناعا من قصة، القصة قد تصنع موقفا، وقد تشكل شخصية، وقد تكسب حربا أو تخسرها.
هناك تعريف للإنسان بأنه حيوان حكواتي، أي يقص القصص، ومن يسرد قصة جميلة مقنعة سيتحكم بالطرف المقابل وسينقلهم حيث يريد تمهيدا لاستغلالهم لاحقا فمنذ أول إشارة استخدمها البشر للتواصل بدأ التلاعب بين البشر، وما لبث أن امتد بين الدول ثم بينها وشعوبها، من مدرجات ومسارح ودمى الظل ودور السينما، الحكاية هي التي تحرك الجماهير، و قد تشلها حسب الحاجة.
هذه الأيام ظهر الكثير من الحكواتية على مواقع التواصل الاجتماعية واليوتيوب، يتابعهم الآلاف، يسردون القصص عما يجري داخل الوطن، منهم الصالح ومنهم الطالح، منهم الكذاب ومنهم الصادق، منهم من يتحدث بدافع الغيرة على الوطن ومنهم من يُدفع له ليتحدث بلسان الآخرين، منهم من يسوق لجهات محلية لها أغراض من هذه القصص ومنهم من يسوق لجهات معادية مقابل المال أو لغاية في نفسه، ومنهم من هو محايد، ومنهم فقط بدافع الشهرة.
وبعد أشهر من مشاهدة هذه الفيديوهات والاستماع إلى عشرات الاشخاص الذين يروون قصص وطننا، أقدم للقارئ الذكي الفطن نصائح عند الاستماع لهؤلاء الحكواتية في محاولة لتكوين رأي خاص عما يقال:
1-    في العادة رواة القصص متحدثون مفوهون لديهم ملكة الرواية، يتقنون لغة الجسد وفن الإقناع، تذكر أن هذا كله ليس موهبة فقط وإنما علم متطور له خبراؤه ومعاهده، الحكواتي هدفه الرئيسي إقناعك بروايته، فلا يخدعنك الأسلوب والمظهر، دائما قيم المضمون.
2-    استمع إلى الرواية بعقل ناقد مفتوح ولا تجعل معتقداتك السابقة تلعب الدور الأكبر في تصديقك أو رفضك للقصة، ثم ابدأ بتطوير قدراتك الذاتية التي ستستغرق وقتا للحكم على مدى قوة وترابط القصة.
3-    كن على قناعة تامة بأن الكل يريد التلاعب بك وإقناعك بقصته.

4-    في جعبة الحكواتية عدة استراتيجيات، تبدأ بخلق حالة من التعاطف والثقة مع الجمهور، ثم التحدث كثيرا عن نفسه و أنه ملاك والآخرين شياطين، تجاهل هذا كله وقارن بين قوله وفعله، وكذلك بين ما يقال عن الآخرين وأفعالهم، واحذر من الذين يتحدثون عن أنفسهم كثيرا، ومن الذين يلبسون أثواب الزهاد النساك، والذين يبالغون باللطف.
5-    عادة، القصص التي تُتداول بلا خاتمة، فلا عبرة ولا عاقبة، لا ينتصر الخير على الشر في النهاية، هي فقط حالة دائمة من التشكيك في كل شيء، وقصص لا تؤدي بك سوى للامتعاض والغضب، والنظر للعالم بمنظار أسود، قد يكون كل ما سمعته كذبا، وقد تفوق الحقيقة قدرتك على الاحتمال.
6-    تذكر أن هنالك جهودا تبذل لنزع الثقة في كل شيء، من مؤسسات الدولة إلى تاريخها ومكتسباتها ورموز الوطن ورجالاته، وأن حروب هذه الأيام تجاوزت الاحتلال العسكري إلى حروب أشد خطرا وفتكا تستهدف الاقتصاد والثقافة والأمن بشتى صوره، وبرأيي أخطرها هو تشكيل الوعي.
7-    ليس لأحد مناعة من أن يُخدع ويُتحكم به، وهذا أمر غير معيب ولكن المعيب هو الإصرار والتحجر وإنكار الرأي الآخر قبل سماعه والتمسك بقناعات بعد ثبوت بطلانها.
8-    لا شيء بالمجان في الحياة، الأغنياء ملؤوا حساباتهم من مالك، والنواب وصلوا للنيابة بصوتك، والسياسيون نجحوا بدعمك، والمفسدون طغوا بِصَمتك، فلا تجعل الحكواتية يحققون مكاسبهم الشخصية بخداعك، ثم تذكر أن هنالك صفقات تجري بين الفرقاء، وأن ثمة أطرافا تعلن لبعضها العداء، بينها جسور خفية نحن لا نعرفها.
وكما أن هنالك مسؤوليات ملقاة علينا ونحن نستمع إلى القصص التي تشعل الشيب في الرأس، وتشكك في كل ما يقال لنا، فهنالك واجب على الحكومة بإعطاء هامش أعلى للشباب في التعبير عن أنفسهم ومحاورتهم ومناقشتهم، وإعطاء مساحات أعلى للإعلام المحلي، فما نشاهده ونسمعه خاصة عبر آلاف الكيلومترات ما هو إلا نتاج لجم الأصوات الداخلية والتضييق على وسائل الإعلام المحلية فبات صانعوالرأي العام المحلي يعملون عبر القارات.
أقترح تطوير منظومة من الحكواتية وقنوات على اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعية وبودكاست كجزء من وسائل الإعلام الرسمية المحلية، لتكون هنالك قصة مقابل القصة، ولتكن قصتهم حقيقة حتى تكون لهم الكلمة الأخيرة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش