الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في الورقة الملكية النقاشية السادسة

د. محمد طالب عبيدات

الأحد 23 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 283

د. محمد طالب عبيدات


جاءت الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك المعزز استكمالا للأوراق النقاشية الخمس السابقة والتي مهّدت لمفاصل مهمة في الديمقراطية والإنتخابات والحزبية والحكومات وغيرها، ولتأتي هذه الورقة لغايات تعزيز مسيرة الاصلاح صوب الدولة المدنية التي ركيزتها الديمقراطية والعدالة المجتمعية.


توقيت الورقة كان استباقي وتقدمي صوب أردن عصري مقوماته القانون والمدنية، وجاء بعد جدلية الدولة عند بعض النخب: هل هي دولة مدنية أم دينية أم علمانية؟ ليقطع جلالة الملك قول كل خطيب بأنها دولة مدنية بإطار أخلاقي وديني، وجاء في وقت بات فيه ضرورة للتوجه صوب دولة القانون تشريعاً وتطبيقاً وبإطار أخلاقي لغايات كبح جماح الواسطة والمحسوبية والفوضى وترسيخ مبادئ المساواة والعدل، وجاء في زمن تراجع منظومة القيم لخلق ثقافة مجتمعية قابلة لتطبيق القانون، وجاء في زمن الحاجة لتجسير الهوّة بين الحكومات والمواطن على أمل زيادة الثقة بينهم من خلال ترسيخ مبادئ العدالة الإجتماعية والمساواة والمواطنة بشقيها من حقوق وواجبات.


فلقد وضّح جلالة الملك ماهية وهوية الدولة الأردنية على أنها دولة مدنية وليست علمانية كما أنها ليست دينية صرفة لكنها بإطار أخلاقي وديني، وعرّف الدولة المدنية على أنها دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاما يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وهي دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، وهي دولة تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات.


أساسيات الدولة المدنية ترتكز على القانون والمساواة والعدالة الإجتماعية والإستحقاق بجدارة والكفاءة ومحاربة وتجريم الواسطة والمحسوبية، وتبني على التسامح الديني وإحترام التعددية السياسية والدينية والمواطنة بجناحيها من حقوق وواجبات وتنبذ خطاب الكراهية.


والدولة المدنية ليست رديفا للدولة العلمانية لأن الأولى ترتكز على القانون وبإطار ديني بيد أن الثانية تقوم على مبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وبالدولة المدنية لا سماح بإستغلال الدين لتحقيق الانتهازية السياسية أو المزاودة على حساب الدين لأن الفيصل هو تطبيق القانون على كل المواطنين ليكونوا سواسية كأسنان المشط الواحد دون محسوبيات أو مواربة.


ومبدأ سيادة القانون أساس الإدارة الحصيفة وضمان الحقوق أساس بناء الديمقراطيات، حيث أن تمكين الشباب المبدع والمضي قدماً في المشاريع التنموية لهم لغايات تشغيلهم يتطلّب تطوير إدارة الدولة وتعزيز مبدأ سيادة القانون، لغايات ترسيخ المبادئ المثلى من مساواة وعدل وشفافية وغيرها.


وبالطبع تطبيق سيادة القانون يقع على عاتق الدولة فالأصل العدالة ولا كيل بمكيالين، ولهذا فمبدأ المساءلة مهم جداً هنا على من تساور له نفسه بعبثية تطبيق القانون، والمواطن عليه إحترام تطبيق القانون وأن يصدع لذلك وخصوصاً في حال تطبيقه على الجميع بعدالة، ولهذا فمواثيق الشرف جل مهمة هنا لغايات الإمتثال لتطبيق القانون بأخلاقية أولاً ومن ثم بمساءلة في حال ثبت العكس، لأن الأصل الثقة بالمسؤول قبل تجريم فعله في حال عدم إمتثاله لذلك!


والحقيقة أن الخطورة في عدم تطبيق القانون أو التساهل بتطبيقه يضعف المواطنة، فإحترام القانون واجب وطني على جميع المواطنين، وسبب الممارسات السلبية في هذا الشأن بروز مبدأ “أسوةً” كدليل على المشابهة بالناس السلبيين لا الإيجابيين للبناء على ثقاقة مجتمعية نابذة ومُجرّمة لمن لا يطبّق القانون أو يحيد عنه أو يمارس الواسطة والمحسوبية في أفعاله


وجاء في الورقة ضرورة الالتزام بمعيار الكفاءة والاستحقاق بجدارة في التعيينات،


فالواسطة والمحسوبية مسلك يفتك بالتنمية والنهوض، لا بل يقتل الإنتماء عند البعض، فالأصل جميع الأردنيين وفق الدستور سواء، والأصل معيار الإنتماء ما يقدّمه المواطن على الأرض لوطنه من إتقان للعمل لا شوفيات أو تنظير أو رياء، ولهذا فمعايير الكفاءة والإستحقاق بجدارة يجب أن تكون هي الأصل في إختيار الكفاءات الوطنية للمناصب العليا وغيرها. فتعزيز الإنتماء يكون بالعمل وتطبيق سيادة القانون، وإتقان العمل يكون بالممارسة على الأرض دون تمثيل أو مظاهر صورية.


فجاء ملخص الورقة القاشية الملكية ليؤكد جملة القول أن الدولة المدنية هي دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتُحدد فيها الحقوق والواجبات دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أوالموقف الفكري، وهذا المفهوم إذا ما طُبّق على الأرض فإنه سيعزز الإنتماء للوطن والولاء للقيادة الهاشمية المظفرة.


وفي هذه الورقة النقاشية أشّر جلالة الملك لضرورة وضع إستراتيجيات وبرامج وخطط قابلة للتطبيق وفق برامج زمنية لغايات تطبيق جملة المبادئ التي وردت في الورقة، وكأنه يقول بأن الحكومات المتعاقبة ومنظمات المجتمع المدني قصّرت في البناء على الأوراق النقاشية السابقة وترجمتها لخطط عمل أو حتى فهمها تطبيقاً على الأرض وهاكم الرؤى لإستراتيجيات تحصين الدولة المدنية!


نعم نحتاج لإستراتيجيات جديدة وعصرية تصون الدولة المدنية في أمور عدّة ومنها على سبيل الأمثلة لا الحصر:  تضافر الجهود لكافة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لإرساء مفهوم سيادة القانون وتطبيقه، تفعيل آليات الرقابة والمساءلة، تعظيم الهوية الوطنية الجامعة وتقديمها على الولاءات الفرعية، صيانة وتطوير مرافق القضاء وتعزيز النزاهة والشفافية –وما تشكيل اللجنة الملكية الأخيرة لتطوير القضاء إلا تصب في بوتقة ذلك-، محاربة الفساد وتجريمه، القضاء على الواسطة والمحسوبية، تزيز مبادئ الشفافية والعدالة الإجتماعية والمساواة وغيرها.


فجلالة الملك المعزز وضع الكرة في مرميي الحكومة ومنظمات المجتمع المدني من جهة والشعب من جهة أخرى لنرى كلامه يطبق على الارض لتسود العدالة الاجتماعية وتحفظ الحقوق ويأخذ كل ذي حق حقه! فواجب الحكومة تطبيق القانون على الجميع بعدالة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وواجب المواطن قبول ذلك وإحترام القانون دون إلتفات للواسطة والمحسوبية والشللية والاسترضاء والمحاصصة وغيرها، ونتطلع للمستقبل بتفاؤل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش