الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

« قُــلْ هو من عندِ أنفُسِكُم.. «

تم نشره في الجمعة 23 آب / أغسطس 2019. 01:00 صباحاً


إبراهيم العسعس
القرآنُ الحكيم يرسمُ للأمَّةَ الراقية منهج تعاملها مع أحداث الحياة ؛ بأحزانها وأفراحها ومصائبها.
وأنا هنا لا أتحدث عن الصبر وتقبل المصيبة بل أتحدث عما هو أبعد من كل ذلك، بل أتحدث عن الموقف الراقي الذي تمارسه الأمة الراقية عندما تحُـلُّ بها أزمةٌ ما وهو البحث في مسؤولية الأمة عن الأزمة أو المصيبة
القرآن لا يريد أن تُخزَّنَ المصيبةُ في الذاكرة لِتُستدعى كلَّ عامٍ لمُمارسة اللَّطميات والبكائيات على أعتابها لا يريد أن تتحول المصيبة إلى مناسبة سنوية تقامُ فيها مهرجاناتٌ لهجاءِ العدو ( المسؤول القوي ) عن المصيبة لا يريد أن تُحشدَ الآياتُ والأحاديثُ التي تتكلم عن ضرورة الإبتلاء، وحتمية تمييز الطيب من الخبيث  لماذا ؟
لأن الله سبحانه يعلم أن ذلك كلَّهُ وسيلة للهروب من مواجهة الذات، وضرورة مراجعة المسارات بتعليقها على الاستدعاء السطحي للنصوص
وأنت تستعرض آيات سورة آل عمران التي علَّقت على غزوة أحد ستفاجأ لأنها لا تلقي اللوم على العدو، ولا تتحدث عن مسؤوليته عن المأساة
إنه العدو ؛ ومن الطبيعي أن يقتلني وأن يخطط لمنعي من تصفية وجوده، وضرب مصالحه
وبعبارة مختصرة وقوية وواضحة ومؤلمة يُحدِّد النَّصُّ القرآنيُّ الحكيمُ المسؤولَ عن الهزيمة : (قل هو من عند أنفسكم) هذه العبارة عنوان الأمم الراقية التي ما إن تقع حتى تبحث كيف أنها لم ترَ الحفرة بدلاً من أن تقعد على أطلال الدمار لتذمَّ ذلك الذي حفر الحفرة
وقد يخطر على البال : وهل هذا هو الوقت المناسب للحديث عن المسؤولية ؟ أليس من الأولى أن نلملم الجراح، وندفن الشهداء، ونطبطب على أكتاف اهاليهم، ونقدم العزاء ؟هل هذا هو الوقت المناسب لنزيد الألم ؟ هناك متسع من الوقت
وهذا هو منطق أمة المصاطب، وهذا هو منهج السامعين لمغامرات الهِلالي وعنتر وهذا هو علاج مَن يكتفون بتبخير الجراح بدلاً من علاجها
انتبهوا إلى هذا الرقي : « قل هو من عند أنفسكم « هكذا تولد الأمم المؤهلة للقيادة التي تُحوِّل المصيبة من لقطة تاريخية تروى ليُبكى عليها، إلى سُنَّة كونية تؤسِّس ليُبنى عليها الأولى تُروى لِــتُحكى، والثانية تُروى لِــتُـــشَـكِّلَ الأولى تروى لتُبكى والثانية تُروى لتَصنع
... وهكذا في كل عام تعاد علينا المأساة (اية مأساة) وكيف استُشهد من استُشهد رحمهم اللهُ، وأسِرَ من أسِر فرَّج الله عنهم وثبتهم، وهُجِّر من هُجِّر.. الخ... ثم : كيف أجرم من أجرم، وانقلب من انقلب.. الخ...
وكل هذا حقٌّ... لكنني أتمنى أن يُصنع برنامجٌ يقول لنا : كيف كانت تدار المعركة.. وكيف كان الخطباء يصنعون حالة من النصر الموهوم.... وكيف يدل كل هذا على أننا لم نقرأ المشهد ؛ محلياً وإقليمياً وعالمياً بطريقة صحيحة بل تدل المأساة على أكثر من ذلك : تدل على أننا لا نقرأ أصلاً وتدل أخيراً على أننا لسنا بمستوى « قل هو من عند أنفسكم « فها نحن نكرر مصائبنا كل حينٍ من الدهر؛ ما يدل على أننا نمتلك طاقة هائلة على الصبر والتحمل، والحمد لله، ولكننا لا نمتلك أدنى حدٍّ من القدرة على الاعتراف بأن ما نعيشه هو : من عند أنفسنا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش