الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيديو الرصاصة ومسارها ومستقرها

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأربعاء 7 آب / أغسطس 2019.
عدد المقالات: 1994

منذ الطفولة البائسة؛ كنا لا سيما في الصيف، نسأل عن الأعراس القليلة في الربّة، متى موعد «النصّة»، التي تبدأ من مساء الأحد حتى عصر الجمعة، بتعاليل وسهرات يومية، في بيوت شعر، اصطفت بها فرشات الصوف، تتوزع عليها المخدات، وهي تجهيزات تتم استعارتها من كل البيوت تقريبا، حتى إن بعض الجيران لأصحاب العرس ينتظرون «ترويحة» الناس ليستعيدوا بعض فرشاتهم ومخداتهم للنوم، ثم إعادتها الى بيت الشعر في اليوم التالي..كنا نحملها ونوصلها للجيران ثم نعود في اليوم التالي نحملها على رؤوسنا غالبا، ونسلمها للعريس أو أحد أشقائه، علما أن العرس «عند جيراننا»..ولم يكونوا أهل العرس يستعيرون الفرشات والكؤوس والأباريق والسدور فقط، بل إنهم يستعيرون البنادق أيضا، ويستعيرون الذخيرة «الزهاب»، وكنا نعرف من يملك «بارودة»صوتها أعلى، ونعرف أنواع الذخيرة، ونتوقع اللون المنبعث منها حين تشق عتمة السماء فوق القرية..كانت الأعراس مهرجانات لفرح كبير فيه «رماية» وأصوات وأزيز رصاص..وكنا لا سيما يوم الزفة «نتزروق» بين «الطخاخين» حتى من بين «اجريهم»، نتسابق في «لم الفشك» المتوهج، وكل طفل معه «تنكة» يملأها «فشكا» من عدة أنواع.. كنا نلمّه أكثر مما نجمع حبات الحلوى التي تقوم أم العريس وشقيقاته بإلقائها فوق رأسه حين تبلغ الزفة باب المنزل، وينفلت العريس مبتعدا «كالسهم» يهرب من الرجال الذين يزفوه بالغناء حتى آخر خطوتين، لتبدأ الخيزرانات تلعب على قفى العريس..
كل القرية كانت تجتمع في العرس، وتنطلق عشرات آلاف الرصاصات في بعض الليالي، حيث يقوم الضيوف بإحضار بنادقهم ويكرمون أهل العرس بإطلاق صليات من الأسلحة، فيتوهج سماء العرس، وتنطرم آذاننا لمدة تزيد عن أسبوع بعد انتهاء العرس.. كان الزمن أكثر بؤسا وتخلفا وجمالا، والناس قليلون جدا، ولم نسمع عن حادثة واحدة لإصابة بالرصاص الطائش..أما اليوم فالوضع اختلف كثيرا، الناس والأعراس والمناسبات السعيدة كثيرة تبعا لزيادة عدد السكان، فلا مجال للاحتفال كل تلك الأيام وممارسة كل تلك الطقوس، ولا يجوز على الإطلاق «الطخ» في الأفراح، ويصبح الأمر جريمة، يعاقب عليها القانون أولا، ويتعرض فيها الناس الآمنون للخطر، وكم من فاجعة حلّت على عائلات وبيوت آمنة بسبب رصاصة من طخّيخ، يعرف تماما بأن الرصاصة ستعود الى الأرض المأهولة بالناس..
هل تراه يعرف فعلا؟ أنا أجزم بأن كثيرين من «الطخاخين» لا يعرفون شيئا عن سلوك الرصاصة التي تخرج من أية سلاح قاذف.
أمس؛ وصلني فيديو من الزميل عامر السرطاوي الناطق الإعلامي لمديرية الأمن العام، ترافقه رسالة بأنه فيديو توضيحي توعوي يبين للمشاهد مسار الرصاصة التي تخرج من فوهة بندقية ابتهاجا بدائيا بالفرح، فتخطف الفرح وتحيله الى ترح، وتحل الكوارث على أبرياء لا علاقة تربطهم بالطخ واهله.
العمل متلفز وبسيط لكن قيمته وتقنياته عاليتان جدا، فهو يقدم شرحا ومعلومات فيزيائية يفهمها الناس، حول سلوك الرصاصة المقذوفة من أي سلاح، حيث تنطلق بسرعة قد تبلغ 800 متر لكل ثانية، وقد تبلغ ارتفاع 3 كلم تبعا لنوع السلاح ووزن الرصاصة وزاوية الإطلاق ومقاومة الهواء، ثم تعود الرصاصة نفسها لتتسارع من جديد أثناء سقوطها الى الأرض، فتكون سرعتها قد عادت الى ذروتها حين انطلقت، يعني تعود سرعتها الى 800 متر بالثانية حين ارتطامها بالأرض..علما أن احتمال ارتطامها بالأرض أصبح ضعيفا، لأن الأرض مملوءة بالناس ومكتنزة بالأشياء: بيوت وشبابيك وسيارات ومصالح كثيرة للناس، قد تخربها رصاصه ترتطم بها بمثل هذه السرعة..
بعد هذا الفيديو التوضيحي الذي أنتجته إدارة العلاقات العامة والإعلام في الأمن العام، والذي أتمنى لو ينتشر للناس على أوسع نطاق، فلا عذر مقبولا ولا تغابي، فالذي يطلق رصاصة من سلاح بدعوى الفرح إنما هو مشروع قاتل سفاح، يعبث بأرواح الناس وأمنهم كي يفرح بطريقة تعتبر وشاية عن شدة جهل وبدائية وتخلّف وعدم اكتراث بأرواح الناس..وسلسلة طويلة من الأمراض النفسية التي يعاني منها مطلق العيارات النارية..
أقسم لكم بأن أحد معلمي العلوم قال لي يوما وعلى طريقة العصف الذهني، بأن الرصاصة تبقى معلقة بالسماء، لأنها تخترق الغلاف الجوي وتصل الى مسافات تنعدم فيها الجاذبية، ولم أتحرر شخصيا من هذه المعلومة إلا بعد أن تقدمت في الصفوف المدرسية ودرست الفيزياء، وأصبح لدي إلمام بقوة البنادق ومسافاتها..فعلمت أن كل الرصاص الذي ينطلق منها يعود الى الأرض بنفس سرعة الإطلاق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش