الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذكريات زمن لن يعود وأغنية يتيمة

تم نشره في الأحد 21 تموز / يوليو 2019. 01:00 صباحاً

هديل المغربي
 مناجاة الحِبرْ
سأل القلم حبره يوماً: لم أنت داكن اللون؟ فأجاب: لأن في القلب حزن!، قال القلم: وما قصتك؟ فرد الحبر قائلاً: أنني أرى خفايا البشر ونوايا العقل وأسمع صمت القمر ورنين الجهل، وإني منذ زمن طويل قليل الحيلة وأطيع الأمر، فمنهم من يرميني بعد الاستعمال وآخر يعاملني باستثناء، ويضعني في مكتبه ومتحفه كالأثرياء، فسأل القلم: وهل هم أقلاء؟ فأجاب الحبر: نعم، لكن عيبهم  أنهم لا يكفون كثرة التفكر والاستكشاف، وإنني وسيلتهم الأولى لتوثيق كل الحكايات، وإنني غارق بنتائج تحاليلهم والنظريات، بينما عالمنا غارق بالتفاهات، يصطاد من العلم ربع ساعات، ويكترث للسفيه طول السنوات، ولا يرى الجميل إلا عن بعد مسافات، ومتى سأبوح ما في داخلي عن  تلك الجنايات؟... وكيف سيسمحون لي  وانا ما زلت ملتزماً بالأوامر والطاعات؟!، رد القلم قائلاً: ربما قد فات الأوان وصرت أنت مفتاحاً يبدؤون به كل تلك التراهات!
 زهايمر!
ضغط على جرحه بقوة كي لا يكبر، وفي أحشائه يتمدد، والوجع في زوايا جسمه يتفرع، وكي لا يأخذ السقم بين تجاعيد وجهه مستقرا له،. فظن أنه شفي، وليس بحاجة لعلاج أو لاستشارة، واستيقظ في اليوم التالي مبتهجا يريد توثيق تاريخ شفائه، فبات قلمه يرجف لا يكتب، وعيناه شاردتان لا تنظران، وقلبه حزين لا ينبض، وأي تارخ يكتب بعد أن محت ذاكرته أجزاء من عمره، وأسكتت أصواتا من حوله، وتجردت من عقله، فهي الآن موجودة وغير موجودة، تُذكر ولا تتذكر، يكاد نَفَسه يتوقف من الدهشة، كيف يحل الليل محل النهار في أيامه! وتتوقف الساعات عند أحلامه! ويترك كل رفيق زاره مرة في منامه! فهو اختناق بعد اختناق، يسلب منه الضحكة في وقتها، والدمعة في حرقتها، وإن أراد أن يهرب، ستحمله قدماه الى أمكنة مجهولة لا تشبهه، وستخونه مذكراته وخططه، وسيقول له طريقه: أنا ضائع لا أعرف شكل نهايتي ولا حتى من أين كانت البداية، وإن في داخل شبح قد التهمني، اسمه «زهايمر»!
 كرسي الحديقة
حين تسكن الروح غلالة من الحزن، يهرب القلب بها بعيداً الى زواريب ذكريات زمن لن يعود، هناك تركن مع صفحات عمرها وتنشد أغنيتها اليتيمة، التي تبدأ بكرسي الحديقة، الذي لطالما سمعها فصولاً طويلة، تبوح بالآمها وأحلامها كل دقيقة، كان يقطع من الأشجار أغصانا دفينة كي يدفئ بها صقيع يديها وذهنها من الحيرة، وكأنها بلا جدوى، حتى باتت رماداً  وسقط الخوف على أفكارٍ مشوشة وكثيرة، وحين تشبثت بالكرسي أكثر قالت له: ما بك لا تنطق ولا تبكي؟ ساعدني، فقد شكوت لك ليالي عصيبة، ثقلت على قلبي ولم أجد لها حيلة، رد الكرسي منهكاً: وكيف أنطق وقد أجهدني التفكر وسماع أصوات عديدة، تمر من هنا وهناك، تنظر باتجاهي وتجدني خير وسيلة، كي تخبئ بها أسراراً وخفايا وحيدة.. وأراك من بينها لوحة جميلة تلوثت ببعض ألوان الحبر الرخيصة، وباتت محط تجارب، يختبرون بها رسماتهم وشكل خطوطهم كل مرة بلا مبالاة، حاملة في جعبتها كرسي الحديقة!
 لماذا؟
نستقيظ كل يوم باكراً ولا ندري لماذا؟ أسماءٌ من حولنا رحلوا وضاعوا بين هذا وهذا، يزورنا الموت على اشكال فرح وابتهاج ولا نعلم أين، كيف ولماذا؟!... هل هم موتى، شهداء، طيور بالجنة ام انهم كل هذا؟! بين أرواحهم وذكرياتهم تَشعبٌ، تدهورٌ، استهتارٌ وهم باتو ضحايا هذا! هلَّ المطر بفرحة العيد وكانو أصعب وأمرُّ نهاية ! زهر وزنبق على خدودهم وأعمارهم كانت طريق البداية! فضاءٌ واسع يسبحون فيه ولا احد غيرهم استقر بهذه الشجاعة ! سنرفعهم بقلب واهن، من حوله صقيع ووحشة وما زال ينبض لبعض من هذا!... ستشدو العصافير صباحا لطيور مثلها حلقت بعيدا بعيدا الى مالا نهاية! ستلمح الوجوه شاحبة، متحطمة،بائسة تنعي ما جرى بين رواية ورواية ! أي جبل واي وادٍ قد ابتلع اظافر طفولة ما زالت تحنو للعب وترنو لترانيم مغناة بصوت الام والاخت وكل قريب لم يعرف سبب الجناية! كلهم اوجاع عصية، ودمع بين الصمت وسرد الحكاية !، ليلة تركت لنا من القهر والتحسر زوايا وى وزوايا ! نكتبكم اليوم بحروف من حرمان وتحسر وسؤال أوله لماذا واخره لماذا؟
 هدية من الله
كل ما يدور حولنا لا بد وان له بداية له قصة له عبرة وله نهاية، وقليل مما نراه  أمامنا نستطيع فَهمهُ، جَمعهُ أو حتى رَميهُ، تتناثر اللحظات في حياتتا ولا نتمكن من التقاطها أو حفظها ولا حتى نسيانها، فكيف بلحظه تُعيد خَلقكَ من جديد وتَبثُ موجات سعادة عاليه الطاقه تكاد لا تتحملها وتاخذ منك كل قطعةِ حُزن أو فقدان لطالما كانت في قلبك مستقرها... فإن تنام اليوم وحدك في فراش قد اعتاد على شكل جسمك وسَئِم من تقلباتك ذاتها وان  تَصحو غداً وبجانبك شخصٌ آخر جديد يبدأ أولى أيامه معك وتحت رعايتك وفي وجدانك.. البعض ينادونه طفلاً وآخرون يلقبونه ملكاً ومنهم من يسميه اسماً... أما أنتْ فتناديه روحاً وقلباً... تَراهُ أمامك يشدو كالعصفور الصغير وُتراقب حركاته كل يوم في تغيير وتكتشف فيه من الصفات الكثير... تفرح بالتشابه بينكم وتترقب مواعيد جَمعِكم وتُصبح كالمنبه أثناء نومكم..
لن تنادي التَعَب داخلك بتعب ولن تشعر بحجم المسؤولية عليك ولن تصغي لدقات قلبك الخائفه عليه! بل إنك ستمحو كل ذلك وتكتب مكانه شعراً، نثراً أو حتى عبرةً، ستمطر عليك قطرات من الشجاعه والإقدام في صيف جف فيه الحبر من الأقلام وطغت عليه القسوة ونَدُرَ فيه الوئام! وستعصف في روحك رياح جرأة كي تاخذ معها كل لحظه ضعف واستسلام.
اما لسانك فسيبوح بكلمات رقيقة تلين لها القلوب قبل الآذان وتغسل الذنوب وتُذهب معها الآلام، وما أن زاد في العمر يوماً إلا وتمنيتَ ان يكون لك سنداً ووأن يتخذك قدوة وان تجمعكم المحبة دائماً وابدأ.. نعم هي حروف ومعان تكتب ولكن المشاعر والمقاصد لا تكتب بل تحفظ في الاذهان وعلى الجدران وبين التاريخ والعنوان.. فان ارقى ما يمكن ان تنادى به يوما هو «أبي» و»أمي».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش