الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تأملات

تم نشره في الجمعة 19 تموز / يوليو 2019. 01:00 صباحاً

د.جميل أبو سارة
1 - يسألني ما الذي خسرناه حين خسرنا ابن رشد في التاريخ؟
فأجبته:
لم نخسر لاهوت الفلسفة الذي كان يتمثله في «تهافت التهافت»... ليست هذه هي القضية
ما خسرناه محاور مهمة كانت كفيلة بتبديل وجه الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، من ذلك:
** خسرنا الانفتاح على العالم، وكونية المعرفة، وإنسانية المشروع العلمي على هذا الكوكب...وهو ما لخصه ابن رشد بقوله: «يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك من القدماء قبل ملة الإسلام، وسواء كان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة» [فصل المقال]...
تذكر أن هذا الكلام يُسطَّر للمرة الأولى على الإطلاق في تاريخ الحضارة الإسلامية، في مقابل: الانكفاء على الذات النرجسية، وإعلان البراء من المنجز الإنساني، والمتمثل بتحريم الجويني حركة الترجمة، وقوله عن الخليفة المأمون: «ورتب مترجمين ليردوا كتب الأوائل إلى لسان العرب...ولو قلت: إنه مطالب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول لم أكن مجازفا» [غياث الأمم]
** وخسرنا الفقيه وقاضي القضاة الرشدي، الذي يحشد الروحية الدينية لصالح العمران الإنساني «الحضاري»، فيشتغل بتصنيف «الكليات في الطب»، و»الضروري في السياسة»، و»مقالة في حركة الجرم السماوي»، و»مسألة في الزمان»، ويصون الإمكانات البحثية الهائلة التي ضيعتها المدارس التقليدية... لك أن تتخيل ملايين المخطوطات العربية تطفح بها مكتبات العالم اليوم، لا تخرج عن نسق واحد مكرر خال من المعنى، مغرق في «الشكلانية الطقوسية» إلى حد الإسفاف... كم ضيعت في سبيلها أعمار أجيال متطاولة، كانت لتنتج ما يبهر البشرية لو أن «العلمية الرشدية» كتب لها البقاء
2- تغير وجه الأرض بالكلية، وتغير الإنسان الحديث بالقدر الذي لا يعود يعرف فيه نفسه، مرهون بأمر أيسر من ثورة صناعية رابعة أو خامسة... مرهون بالحدود المفتوحة بين بني البشر، وسرعة المواصلات والاتصالات.
لو تمكن الإنسان من تحويل التنقل بين البقاع والقارات إلى قرار فردي، الأذونات الأمنية فيه إلكترونية مشفرة تؤخذ تلقائيا بحسب الموقع الجغرافي للفرد، والانتقال سريع لا يستغرق دقائق معدودة، ولا يكلف سوى دريهمات من أقصى الأرض إلى أقصاها، حينها لن يكون ذلك الكوكب هو كوكب اليوم على الإطلاق، ولن يكون الإنسان – روحا، ونفسا، وعقلا، وثقافة، ووجدانا، وفنا، وأسئلة كبرى، واشتغالات قصوى – هو هذا الإنسان.
لستَ بحاجة إلى التنبؤ بأي ثورات علمية أخرى غير هذه الثورة كي تتصور جزءا من عالم المستقبل، وهو ما فشل فيه الإنسان القديم في استطلاع إنساننا الحديث، وهذا يعني أن سرعة القفز الزماني الحضاري مطردة مع سرعة الحراك الإنساني في ذاته، ورغم أن الماركسية تتحدث دائما عن تفسير العالم بأنه «ضجيج من الحركة»، لكن - بحسب كارل بوبر في كتابه «درس القرن العشرين»-: «فإن الثورة الكبيرة التي لم يستطع ماركس إدراكها جيدا ويفهمها بشكل جيد، هي السكك الحديدية التي سمحت للناس أن يتحركوا وأن يتنقلوا، هذه كانت إحدى أكبر الثورات التي لم تحدث قبل هذا التاريخ، ولكن ماركس لم ير أنها ثورة!»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش