الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ضوابط الادخار وضروراته من خلال القواعد الفقهية

تم نشره في الاثنين 8 تموز / يوليو 2019. 01:00 صباحاً

عمان
لا يمكن للإنسان أن يستغني عن الادخار مهما كان الأمر، خصوصاً ذوي الدخل المحدود؛ ذلك أن الاحتياجات لا تتناهى، بل تستجد من وقت إلى آخر، نظراً لتغير الظروف والأحوال، ولعل قصة الادخار في سورة يوسف عليه السلام أوضح ما يمكن أن يؤكد حتميته وعدم الاستغناء عنه، ورغم هذا كله فإن هناك بعض الضوابط التي لا يصح الادخار إلا بها، كما أن هناك جملة من الضرورات التي تعتري الادخار بوجه عام، وسنحاول التعرض لها وبيانها من خلال القواعد الفقهية.
مفهوم الادخار
الادخار في اللغة يراد به تخبئة الشيء إلى وقت الحاجة إليه، وورد في معجم المصطلحات الاقتصادية أن الادخار تخبئة الشيء لاستخدامه عند الحاجة.
وعلى هذا يكون معنى الادخار في اللغة احتفاظ الانسان بشي ينفعه وقت الحاجة، وهو ما ورد في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر لأهله قوت سنة.
أما اصطلاحاً فيقول صاحب معجم لغة الفقهاء..الادخار أصلها اذتخار فقلبت كل من الذال والتاء دالاً مع الادغام فصارت الكلمة «ادخار» وهو الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل، والاحتفاظ بالشيء لوقت الحاجة.
وفي الموسوعة العملية للبنوك الإسلامية الادخار بمعناه الخاص ينصب على الدخول النقدية، ويعني تأجيل الإنفاق العاجل إلى إنفاق آجل على أن يأخذ طريقه في فترة التأجيل إلى مؤسسة مالية تتولى إدارة واستخدام هذه المدخرات.
الشريعة الاسلامية أقرت ما يتعلق بالادخار وقررت أنه من المعاملات المباحة التي لا غنى للإنسان عنها في حياته..وهناك بعض الألفاظ مشابهة للادخار، من ذلك:
– الاحتكار.. اشتراء طعام وحبسه إلى الغلاء.
فالادخار أعم من الاحتكار، لأنه يكون فيما يضر حبسه وما لا يضر، أما الاحتكار فيقتصر على حبس ما يضر فقط، ومن العلماء من خصه بالطعام فقط على خلاف في ذلك يراجع في مظانه.
– الاكتناز.. المال الذي لم تؤدَّ زكاته ولو لم يكن مدفوناً.
وإذا نظرنا إلى العلاقة بين الادخار والاكتناز سنجدها أيضاً علاقة الأعم بالأخص، لأن المال المدخر هو الذي قد أديت حقوقه الشرعية من زكاة وغيرها، على عكس المال المكنوز أو المدفون الذي قال الله تعالى فيه (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) التوبة 34-35.
مشروعية الادخار
يمكن الحديث عن حكم الادخار ومشروعيته انطلاقاً من القواعد الفقهية التالية:
القاعدة الأولى: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
هذه القاعدة من القواعد الفقهية والأصولية، ولذا تعرض لها الأصوليون في كتبهم تحت عنوان (الاستصحاب) في إطار موضوعات الأدلة المختلف فيها، يقول الونشريسي في المعيار: الأصل بقاء ما كان على ما كان وهو المسمى في العرف الأصولي باستصحاب الحال وهو أصل من أصول الشريعة تدل عليه مسائل وفروع.
علاقتها بغيرها من القواعد:
لقد بين العديد من الفقهاء أن هذه القاعدة وثيقة الصلة ووطيدة العلاقة بالقاعدة الكبرى: اليقين لا يزول بالشك، قال العلامة ابن نجيم – بعد أن تحدث عن قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، يندرج في هذه القاعدة قواعد منها.. الأصل بقاء ما كان على ما كان.
بل إن العلامة ابن السبكي رحمه الله جعلهما قاعدة واحدة فقال: اليقين لا يرفع بالشك ولا يخفى أنه لا شك مع اليقين، ولكن المراد استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه، فقل إن شئت: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو الاستصحاب حجة.
ما ثبت نفعه فهو المباح وما ثبت ضرره فهو الحرام والادخار مما يعود على صاحبه بالنفع.
القاعدة الثانية: «الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم:
وهذه أيضاً من القواعد التي تؤصل للادخار، حيث تبين أن ما ثبت نفعه فهو المباح، وما ثبت ضرره فهو الحرام، ولا شك أن الادخار مما يعود على صاحبه بالنفع، فقد اعتاد الناس أن يدخروا ما بأيديهم قصد منفعة مرجوة، ونجد أن هذه القاعدة قد ذكرت في بعض المصادر بلفظ: الأصل في المنافع الحِل.
علاقتها بغيرها من القواعد:
هاتان القاعدتان تربطهما علاقة وثيقة بقاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة»، والقاعدة السابقة أيضاً الأصل بقاء ما كان على ما كان، وبيان ذلك أن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساداً وأوجبت ما لابد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.
القاعدة الثالثة: كل من ملك شيئاً يملك التصرف فيه إلا لمانع:
وهي أيضاً من القواعد الصريحة التي تبيح الادخار وتؤسس لمشروعيته؛ إذ تبين أن من ملك شيئاً قدر على التصرف فيه بكل أنواع التصرف المباحة؛ لأن معنى الملك: القدرة على التصرف، ومن جملة أشكال التصرف الادخار، لأنه ينتج عن ملك، فلا يتصور أن ينتفع إنسان بدار أو منزل أو سيارة… من غير هبة ولا صدقة ولا كل أوجه التملك، فكذلك لا يتصور أن يدخر ما لا يملك، فعلى هذا يصح أن تكون هذه القاعدة أصلاً من الأصول التي تبنى عليها مشروعية الادخار، لأنه لا يوجد ما يمنع من ذلك عدا الاستثناءات التالي:
– الصبي الوارث: ممنوع من التصرف في ماله إلا بإذن وصيه.
– المحجور عليه لسفهه: ممنوع من التصرف في ماله لمصلحته.
– الشريك: ممنوع من التصرف في المال المشترك بينه وبين شريكه إلا بإذنه، إلا إذا باع نصيبه.
ضوابط الادخار
هناك قواعد كثيرة يمكن أن نستجلي من خلالها ضوابط الادخار، لكن سنكتفي بما سنورده من القواعد من غير تكلف، وقد اقتصرت على أربعة قواعد فقط.
القاعدة الأولى: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام:
هذه قاعدة من أوسع قواعد الفقه وكلياته التي أخذت بها جميع المذاهب الفقهية في الجملة، وقد شملت جانب العبادات والمعاملات والعادات، فكما أعملها الفقهاء، كذلك اتخذها الأصوليون ميزانا يزنون النصوص بها في باب التعارض والترجيح، واشتهرت عندهم بصيغ أصوليه مختلفة منها: إذا اجتمع المبيح والمحرم يغلب المحرم، وإذا ورد خبران أحدهما حاظر والآخر مبيح فالحظر أولى، فهي إذاً من القواعد المشتركة بين الفقه والأصول إلا أنها استعملت في كل مقام من المقامين بما يناسبه من الصيغ.
لا يحل للمسلم أن يدخر ما تحت يده من غير الحلال أو مما خالطه الحرام
معناها: أن معنى هذه القاعدة يأخذ صورتين:
الأولى: أن يجتمعا في المحل الواحد ككونه حلالاً باعتبار وحراماً باعتبار، وذلك ما عبرت عنه بعض الصيغ: «إذا اجتمع الحِل والحرمة في المحل يتأرجح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء» فهذا هو عين المشتبهات وهو ما قيدت به القاعدة من أن يغلب جانب الحرمة على الحِل عند الاشتباه، كما ثبت في صيغة أخرى: «المشتبه فيه يؤخذ فيه بالأحوط وهو التحريم».
والثانية: أن يجتمعا في شيئين بأن يختلط شيء حرام بشيء حلال، لكن تغليب الحرمة هنا على الحِل يقع بثلاث صور:
و إن أول ضابط من ضوابط الادخار هو: ادخار ما اكتسبه الإنسان عن طريق الحلال، فلا يحل للمسلم أن يدخر ما تحت يده من غير الحلال.
القاعدة الثانية: الأمر إذا ضاق اتسع:
تندرج هذه القاعدة ضمن القاعدة الكلية الكبرى «المشقة تجلب التيسير»، بل إن ابن السبكي جعلهما قاعدة واحدة حيث قال: المشقة تجلب التيسير وإن شئت قلت: إذا ضاق الأمر اتسع، وهي تعود إلى أصل اليسر ورفع الحرج والضرر، قال العلامة الزرقا: هذا في معنى المادة الضرورات تبيح المحظورات، وتمام القاعدة الفقهية كما في مرآة المجلة، وإذا اتسع ضاق وكان في معنى الشق الثاني منها أنه إذا دعت الضرورة والمشقة إلى اتساع الأمر فإنه يتسع إلى غاية اندفاع الضرورة والمشقة، فإذا اندفعت وزالت الضرورة الداعية عاد الأمر إلى ما كان عليه قبل نزوله.
القاعدة الثالثة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح:
علاقتها بغيرها من القواعد
أدرج ثلة من العلماء هذه القاعدة ضمن قاعدة الضرر الكبرى «الضرر يُزال» وذلك لأن المفسدة التي يراد دفعها يمكن عدها نوعاً من الضرر، فيشرع دفعها لتحصيل السلامة من الضرر، والضرر منفي في الشريعة، فكانت القاعدة محل البحث تطبيقاً للقاعدة الكبرى وأخص منها لكونها مبينة لكيفية العمل في بعض صور الضرر.
إذا تعارض عند المكلف مفسدة ومصلحة في أمر من أمور دينه أو دنياه فإن الأصل في حقه دفع المفسدة ودرؤها.
وفي ضوء ما تقدم فإن من ضوابط الادخار أن لا يؤدي إلى الحرمان من الضروريات، بحيث يجوع المدخر ويشقى فيضاعف الادخار بدعوى تحسين أحوال المعيشة، فالواجب تحقيق مستوى معيشي حسن يضمن الكفاف والغنية مما لا ينتج عنه ضرر بالنفس والأهل، وقد تقرر في القواعد الكبرى أن الضرر يزال، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الضرر بالأهل من أكبر الآثام وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، والادخار على هذا الوجه هو عين الضرر بالأهل والتضييع لهم.
القاعدة الرابعة: المعاملة بنقيض المقصود الفاسد.
هذه القاعدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكلف فتحمله على المراقبة الذاتية دون فرض رقيب أو حسيب، وهذا ما تفقده قواعد المعاملات المصرفية التقليدية، كما أنها تضم بين ألفاظها من المرونة القسط الوفير والنصيب الأوفى، فالفعل – أي فعل – إذا اقترن بنية سيئة أو حسنة رجعت الثمرة على الفاعل بحسب نيته.
علاقتها بغيرها من القواعد.
الوديعة البنكية كضرورة ادخارية
لعل من نافلة القول التذكير بما أولت الشريعة الاسلامية المال من العناية والاهتمام؛ إذ جعلته من كلياتها الخمس التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث يؤدي فقدانها إلى فساد وفوت حياة، ونتيجة لذلك كان من الواجب حفظ هذا الكلي بما يصونه من كل أنواع الضياع من سرقة وغصب وتبذير وسفه.
الودائع التي تدفع عنها فوائد قروض ربوية محرمة سواء أكانت ودائع تحت الطلب أم ودائع لأجل أم حسابات توفير
حكم الوديعة في البنوك الربوية
بالتتبع لفتاوى العلماء حول المعاملات مع البنوك الربوية نجد أنهم يشددون النكير على المتعامل مع هذه البنوك، منددين بهذه المعاملات التي تعد بمثابة محاربة الله ورسوله، مستندين في فتاواهم على نصوص قرآنية وأحاديث صريحة في تحريم التعامل بالربا، من ذلك قول الله سبحانه في معرض الحديث على الربا: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون).
 الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، هو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب.
ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً.
ثانياً : إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي:
(أ) الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية، هي قروض ربوية محرمة، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير.
(ب) الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعلياً بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثمار على حصة من الربح هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة (القراض) في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش