الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التزييف العميق

إسماعيل الشريف

الأحد 7 تموز / يوليو 2019.
عدد المقالات: 119

صورة واحدة بألف كلمة – آرثر بريزبين
يسجل لصحيفة الدستور تنبهها المبكر في مجابهة الإشاعة والتدليس بإطلاقها لمرصد الدستور للإشاعة الذي يفنّد الإشاعات، ولكن المعركة مقبلة على تحد أكبر وأخطر.
أرسلت إحدى الصديقات رسالة لأعضاء المجموعة تقول فيها بأنه تم اختراق هاتفها، وقام اللصوص بفبركة فيديو لها وطلبوا منها مبلغا من المال لقاء عدم نشره، كانت الصديقة ترجو أعضاء المجموعة عدم فتح هذا الشريط في حال أرسل إليهم.
صديقتنا المسكينة تتعرض لمحاولة ابتزاز باستخدام الصوت والصورة.
وقبل أيام انتشر فيديو عن اللحظات الأخيرة للرئيس المصري السابق محمد مرسي، وحظي باهتمام وتداول كبيرين، ليتبين أن الفيديو مفبرك. فقد رُكب الصوت على فيديو قديم.
ما من خبر أكثر إقناعا من حدث تم توثيقه بالصوت والصورة، وباستخدام هاتف ذكي وتطبيقات الرسائل أو مواقع التواصل الاجتماعي سينتشر هذا الحدث في ثوان كالنار في الهشيم.
أكثر ما يصدق الإنسان ما يشاهده بعينيه ويسمعه بأذنيه.
تخيل معي شريط فيديو لمسؤول إيراني يتحدث عن تصفية لأهل السنة، أو تشفّ أحد المسؤولين بقتل متظاهرين، أو رئيس عربي يتحدث مع نتنياهو عن مؤامرات تحاك ضد شعبه، أو قسيس يحرق القرآن ويتطاول على سيدنا محمد.
سنرى فيديوهات كاذبة كهذه ولكن من الصعوبة بمكان تمييزها، تخيل حجم الضرر الذي ستحدثه.
هذه الأيام ينشط مصطلح التزوير العميق (Deepfake)، وهو نتاج تطور كبير في الذكاء الصناعي يقوم باستخدام خوارزميات عصبية لفبركة صور متحركة بالصوت والصورة والحركة باستخدام صورة وصوت حقيقيين، ويتم هذا في وقت سريع جدا حتى أنه يمكن تغيير خطاب رسمي أثناء البث، وبحيث يكون من الصعوبة بمكان التفريق بين الحقيقة والكذب.
هذه التقنية كانت حكرا على استديوهات هوليوود حيث شاهدناها في فيلم فوريست غامب عام 1994، ولدى بعض أجهزة الاستخبارات، ولكن هذه الأيام بدأت شركات بتقديم هذه الخدمة، وهنالك شركات تعرض هذه الخدمة في السوق السوداء، ومع الوقت ستنخفض الكلفة وستنتشر بأيدي الأفراد.
بالنسبة لنا ما نراه من هذه التكنولوجيا ينحصر في بعض المقاطع الضاحكة للسياسيين، وتستطيع تمييز زيفها، أو في صناعة الجنس بتركيب وجوه مشاهير على أجساد ممثلين إباحيين، كما تستخدم للابتزاز كما حصل مع صديقتنا.
ولكن قريبا ستستخدم لأغراض سياسية وتحريضية وستنال من القادة والرموز ومن مؤسسات الدول، وستكون من الواقعية بمكان بحيث لن يتمكن العامة من معرفة التلاعب الذي تم بالصوت والصورة.
ولأننا نحب أن ننشر كل ما هو غريب دون التأكد من صدقه، وحتى لو كنا نعرف أنه كذب وتدليس سننشره إذا ما توافق مع معتقداتنا وأهوائنا، فسنرى قريبا سيلا جارفا من هذه الفيديوهات الملفقة.
في السابق وقبل الانترنت كان مصدر أخبارنا إعلامنا الرسمي من صحف وتلفاز، وهذا الإعلام احترافي يخضع لمعايير قبل نشر أي معلومة، ولكننا هدمنا هذا الإعلام بقصد أو بدون قصد ومع انتشار الانترنت والمواقع الاجتماعية وتطبيقات الرسائل أصبحت هي المصدر الإخباري الأساسي بل الوحيد لبعض الناس مع كل ما فيها من كذب وتدليس.
أين نحن من كل هذا؟
برأيي علينا الاستعداد للقادم على أكثر من وجه، الوجه الأول تكنولوجي من خلال تقديم برامج تكتشف ما يسمى بالتزييف العميق، وكذلك العناية بالمواقع التي تتحقق من صدق الأخبار وتشير إلى المحتوى المحقَق من خلال رمز ما أو علامة مائية، ثم من الناحية التشريعية كمنع نشر أي محتوى ما لم يكن موثقا وتغليظ عقوبات التزييف بأنواعه، ووسائل لتتبع المبتزين والمحرضين، ثم علينا مرة أخرى دعم الإعلام الرسمي التقليدي وتحريره تحريرا كاملا بحيث يكون إعلاما وطنيا غير محسوب على أية جهة، وعلينا تدريب وتعليم النشء على تمييز الحقيقة من الكذب وإعلاء آداب تبادل التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش