الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ذكرى «الثلاثاء الحمراء»... محمد جمجوم و فؤاد حجازي وعطا الزير

تم نشره في الاثنين 17 حزيران / يونيو 2019. 01:00 صباحاً

نهيل عادل عويضة: باحثة فلسطينية
يصادف اليوم الذكرى التاسعة والثمانين لاستشهاد كلّ من الأبطال فؤاد حجازي ومحمّد جمجوم وعطا الزير في يوم عرفه العرب  بـ «الثلاثاء الحمراء», عنوان قصيدة الشاعر إبراهيم طوقان الذي كتبها بهذه المناسبة تخليدا للأبطال. 
ما دعاني للكتابة بهذه المناسبة دافعَين: الأول هو ما جاء في وصيّة الشهيد فؤاد حجازي التي يطلب فيها منّا إحياء هذه الذكرى, والثاني هو الردّ على استفسار وردني من أحد الشباب عن حقيقة أحداث «هبّة البراق» بعد أن قرأ مؤخرا على شبكة التواصل الاجتماعي حوارات توحي بأنّ اليهود في الدول العربيّة عاشوا بسلام ما بين 1918 و1948 على عكس اليهود في فلسطين الذين تعرضوا لاعتداءات كما حصل في «هبّة البراق». يأتي هذا التضليل من ضمن «حملة التطبيع» المتعاظمة إعلاميّا وفعليّا في وطننا العربي هذه الأيّام مما يستوجب الردّ والتصحيح.
اختلفت ممارسات اليهود في فلسطين عنها في الوطن العربي إثر انتشار الدعوة الصهيونيّة. فما أن صدر «تصريح بلفور» في 2 تشرين الثاني عام 1917 حتّى شرع قادة المؤتمر الصهيوني بتطبيق نصوصه وكأنّه أصبح واقعا. ففور تسليم مدينة القدس للقوات البريطانيّة في 11 كانون الأول 1917 نجح خاييم وايزمان عضو مكتب المؤتمر الصهيوني العالمي بالحصول على موافقة من البرلمان البريطاني بالسماح له بترؤس لجنة تأتي لفلسطين بحجّة إحصاء خسائر اليهود في الحرب الكونيّة لتعويضهم عنها. وما أن وصل وايزمان في نيسان 1918 حتّى شرع بالتدخّل علانية في السياسات البريطانية في فلسطين وبتطبيق ‘تصريح بلفور’ قبل أن يجفّ الحبر عليه إلى درجة  أنّ البريطانيين نصحوه بالتخفيف من نشاطه العلني السافر دون طائل. نظّم وايزمان احتفالا بمناسبة وضع حجر الأساس لإنشاء الجامعة العبريّة في 24 تمّوز عام 1918 قبل انتهاء المعارك في فلسطين وصرّح بغطرسته المعروفة:» لا دولة يهوديّة’ في فلسطين دون جامعة يهوديّة».
استمر الصهاينة من اليهود يتحدّون العرب في كل المناسبات وخصوصا الدينية منها لإضفاء صبغة يستغلّونها للتحريض, فكانت «هبّة النبي موسى» في 4 نيسان عام 1920 التي   قتل فيها من اليهود 5 وجرح 211  بينما استشهد فيها 4 من العرب وجرح 24 وأصيب 7 جنود.
وفي هبّة البراق يوم 14 آب عام 1929, ثار الفلسطينيون  للدفاع عن مقدساتهم ردا  على تحدّيات الصهاينة أمام حائط البراق فهاجموا الغرباء المنتهكين للحرمات  على أرضنا الطاهرة. استطاعوا تدمير ست مستعمرات ردّا على الصهاينة في كلّ من القدس والخليل ونابلس وصفد ويافا وحيفا, لكن سقط 91 شهيدا وشهيدة وجرح 181 من العرب خلال أسبوعين, بينما سقط من الصهاينة 133 وجرح 339.
أصدرت محاكم الاستعمار البريطاني في فلسطين الحكم بالإعدام على ثلاثة شباب فلسطينيين هم فؤاد حجازي من صفد وعطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل. وللتظاهر بعدم التّحيّز للصهاينة, حُكم على شرطي يهودي بالإعدام لقتله عائلة عربيّة من ستّة أفراد بدم بارد, لكن سرعان ما خفّض الحكم بسجنه خمسة عشر عاما, ثمّ أخلي سبيله بعد فترة قصيرة. بيد أنّهم في المقابل نُفِّذوا حكم  الإعدام  بالأبطال الفلسطينيين  الثلاثة , فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمّد جمجوم  في صباح يوم الثلاثاء الموافق 17 حزيران عام 1930 في قلعة عكّاء.  تسابق الأبطال يومها على مَن سيلاقي وجه ربّه قبل الآخر وأصبحوا أسطورة في النضال  والفداء. وقد خلّدهم الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان بقصيدة عصماء أسماها ‘الثلاثاء الحمراء’ مطلعها
من سجن عكّا طلعت جنازة      محمد جمجوم وفؤاد حجازي
 كان الفلسطينيّون المتجمّعون خارج سجن عكّاء ومنهم أمهات الشهداء وشقيقاتهم يزغردن كلّما شاهدن رفع العلم الأسود فوق القلعة التاريخية دلالة على إتمام تنفيذ حكم الإعدام كما جرت العادة أيّام الثلاثاء.
ترك الشهيد الأستاذ الشاب فؤاد حجازي وصيّته  للأمّة العربيّة ككل ولوالدته وكأنه يخاطب أمهات كل الشهداء، وفيها يخاطب أيضا شقيقيه أحمد  ويوسف. كُتبت الوصيّة بحضور السيّد سليم عبد الرحمن وأصرّ على أن يسلّمها المستر ستيل – مفتّش  السّجن المركزي في عكّاء لعائلته. واليوم وقد كثر عدد شهداء أمتنا العربيّة على درب الحرّية  نورد مقتطفات مما جاء في الوصيّة كما نقلتها جريدة الشعب –دمشق (عدد 800) الصادرة بتاريخ 22-7-1930
« لا تجزعي يا أمّاه ! فإنّ الأحرى بك أن تقولي ليت ألف فؤاد مثل فؤاد كي يقوموا بالواجب نحو بلادهم ... . إنّ الأمّة التي تقف أمام الاستعمار والسياسة الغاشمة مكتوفة الأيدي محكوم عليها بالفناء, وجدير بها أن يمحى اسمها من الوجود. ولتذْكر الأمّة دوما أن في الجهاد حياة, وإن الأمّة التي يكثر شهداؤها هي الجديرة بالبقاء.»
وإلى الأمّة العربيّة كتب مخاطبا إيّاها:» إنّ وصاياي على جانب عظيم من الأهمّية... فأكرر رجائي بالعمل بموجبها والمثابرة على  الكفاح حتّى تنال البلاد استقلالا تامّا يضمن الوحدة العربيّة ....»
وإلى شقيقه أحمد قال: « تأثرت كثيرا من قولك حين زيارتك لي أنك ستأخذ بثأري. فهذا يا حبيبي لا يعنيك أنت لأنيّ لست بأخيك وحدك بل أنا قد أصبحت أخا الأمّة وابن الأمة جمعاء. إن يوم شنقي يجب أن يكون يوم سرور وابتهاج وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور في يوم 17 حزيران من كلّ سنة. إنّ هذا اليوم يجب أن يكون يوماً تاريخيّاً تلقى به الخطب وتنشد فيه الأناشيد على ذكرى دمائنا المهراقه في سبيل فلسطين والقضية العربيّة .»
ونحن اليوم إذ نُذكّر باستشهاد الأبطال الثلاثة حجازي وجمجوم والزير لن ننس قافلة الشهداء الذين يعطرون كلّ يوم أرض الوطن بدمائهم الطاهرة على طريق تحرير الشعب العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص لإيماننا بوصيّة الشهيد فؤاد حجازي أنّ «لأمّة التي يكثر شهداؤها هي الجديرة بالبقاء وأن في الجهاد بقاء.»  

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش