الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نار الحصيدة

رمزي الغزوي

الخميس 11 حزيران / يونيو 2015.
عدد المقالات: 1977


حتى لو أصبح (الكورن فلكس) طعاماً ليناً طريا للبعض منا، فالقمح ما زال أباً وسيداً لطعامنا، نحن أبناء الأرض وإخوانها. لكن القمح كان بالمشقة يُزرع، وبالكد والجهد يُحصد، وبالضنك والعناء يُرجد (تجمع سنابله إلى البيادر)، وبالصبر يُدرس ويطحن. ومع هذا فرائحة الخبز، كانت ولا تزال، تستحق كل هذا الشقاء. الخبز سيبقى جديراً بالتعب.
مع أوئل كل حزيران كان الحصادون لا ينظرون أمامهم في الحقل؛ ولا يحدقون في قامات القمح المنحنية بتواضع الخير والامتلاء، كي لا يرعبهم بحر الذهب المتلاطم، بل كانوا ينحنون بظهورهم ويندغمون بأمهم الأرض، ويوغلون بالحصيدة بصبر وجلد، والشمس تصب سياطها فوقهم، فيستعينون بالغناء على هذا العناء!. فتارة يرندحون مواويلهم إلى محبوباتهم ذوات الجدائل السود وناحلات القدود، وتارة يغنون فخراً بمناجلهم:(منجلي ومن جلاه/ راح للصّايغ جلاه/ وما جلاه إلاّ بعلبه/ يا ليت الحُبة عزاه)، والصايغ هو الذي يسنُّ المنجل ويمضيه، والعلبة كمية كبيرة من القمح!.
أجدادنا الحصادون، عندما كانت تشتد عليهم (حنانية الشوب) وتغرقهم بعرقهم، كانوا لا يلوذون إلى ظل ظليل، لأنه لا ظل في الحقول، بل كانوا يجمعون كثيراً من القش، ويشعلونه ناراً عالية يسمونها (نار الحصيدة)، وما هي إلا دقائق معدودة حتى تهب نسمات الهواء، ويتحرك الجو جالباً الانتعاش اللذيذ للحصّادين. وهذا اختراع بديع لأجدادنا، وهو صحيح من الناحية الفيزيائية، فالنار تسخِّنُ الهواء، فتقل كثافته؛ فيرتفع إلى أعلى؛ ويحلُّ مكانه هواء أبرد، وهكذا، فكأنهم أداروا مروحة سريعة، فتنعشهم قليلاً؛ ليعودوا لمناجلهم أكثر نشاطاً: فرحمة الله على أجدادنا الطيبين الذين عايشوا الحياة وفهموها!!.
  وقبيل نهاية يوم حصاد طويل، كانت تختلط قطرات العرق البارقة بعجاج التراب، فتتشيطن المناجل في القبضات الخشنة، وتلتهم قامات القمح فيما هزهزة أهزوجة النهاية تثير فيهم اندفاعا عظيماً: (والغزالة زارتهُ/ زارتهُ واختارته/ قالت: جرني يا مختار/ جرني من عذاب النار)، فيأتي الصدى:(روحي والله جارك/ روحي اطعم صغارك).
   لم تعد هناك أيام للحصيدة لنا، أو ما يحزنون، لأننا لم نعد نزرع قمحا، وصرنا نعتمد على بركات أمريكيا وأخواتها، فيما سهول حوران، المترامية على مدى العين، والتي كانت سلة خبز الامبرطورية الرومانية، لا تزرع الآن إلا بالخواء، أو بالتبغ. متى نأكل مما نزرع؟!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش