الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ترويض

رمزي الغزوي

الاثنين 27 أيار / مايو 2019.
عدد المقالات: 1940

في نهايات الحكم العصملي (العثماني) أبحرت سفنية شحن من اسطنبول إلى ميناء أم قصر في العراق، محملة بعدد كبير من البغال، كمدد إستراتيجي لبعض وحدات الجيش الآيل للهزيمة هناك، ولأن العلف شحيح وقليل، فقد كان يوزع على البغال مرة واحدة في اليوم فقط، بعدما يتلقى السوّاس أمراً من الضابط المسؤول بوساطة (دق الدودك)، أي عندما يصدح البوق، في وقت معين من الظهيرة.
ولأن التكرار يعلم البغال أيضاً، ولهذا كانت هذه الكائنات الجائعة، وعندما تسمع الدودك، تعي أن العلف بات قاب صدحتين من الوصول لمعالفها، فتتحمحم للأكل، وتهيئ نفسها بفرح للطعام، فيغمرها السكون والهدوء والثيات وعدم الهياج!.
وذات يوم نفذ العلفُ، وعندما أحست البغال بالجوع، بعدما فات موعد تقديم الوجبة لها، هاجت واستنفرت وثارت بكل ما للجوع من سلطان وجنون، وكادت تخرق بحوافرها أرضية السفينة!، فأسرع الضابط مذعورا يشرح الحالة للقبطان، ويؤكد له أن السفينة ستغرق بأقدام البغال الجائعة!.
فكر القبطان قليلاً، ثم أمر الضابط بدق الدودك، ومع أول صدحة من صدحاته، عاد الهدوء للبغال، وسكنت فرحاً بقرب وصول العلف، وعندما مضت ساعات أخرى، ولم يصلها شيء عادت لهياجها وضرب حوافرها بالأرض، فما كان من القبطان إلا أن أعطى الأمر بالصدح مرة أخرى، وهكذا استمرت مهزلة الدودك حتى وصلت السفينة مبتغاها!.
هذه المهزلة التصبيرية، أو التأجيلية عن طريق دق وصدح الدودك، إذا كانت قد إنطلت على بعض الشعوب المستبغلة، في زمن غابر، أو وقت (باغل)، فإنها لن تنطلي في هذا الوقت المكشوف، حتى على أولئك إذا كانوا بانت هياكلهم العظمية، بعد فقر وجوع طويلين.
فترويض الخنوع لن يمر على أحد بعد اليوم، ولا حتى ترويض الجوع، حتى على الذين يمصون النوى من شهوة التمر، أو الذين يأكلون أصابعهم، ولحم سواعدهم، لكن العته والغباء والاستفغال، تجعل بعض الساسة والمسؤولين في العالم يعتقدون أن طريقة دق الدودك، ستفي بالغرض للأبد، وأن التلويح بحلول المشاكل سيوصلهم بر الأمان بالهيلمة والوعود الهوائية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش