الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقاربة بين حي بن يقظان وسدهارتا

تم نشره في الجمعة 24 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

حلا السويدات

تكتفي الطبيعة بوظيفتها التناغميّة؛ لأنها تفقد ملكة العقل، والسؤال بين أجزاء ذاتها الكبيرة والمحيطة، وتكتفي بكونها عنصرا يثير الدهشة ويخفي الأسرار، يبتدئ الحائر منه حتى يغرق فيه، طوال الزمن، وحتى لحظة فناء نوعه/ الإنسانيّ، فلا يفتأ الأخير أن يكون حائرًا أمام حوادث أوسع وأكبر لا هي تدنو له، ولا هو يعلو لها. فالمسألة، ليست محض تباين في الحجم والخصائص، ومسيرة فيزيائية تفاعلية مع خصائص الكون القويمة والمتناغمة، بل تتعداها لمساحة ذاتية وعينية يكون مجالها العقل والإرادة المنبثقة منه، فالمحسوسات تخضع بطريقة تراتبية لهذا العقل المتطور فهي ثابتة، نسبيًّا، والتطورات التي تطرأ فيها لا يدركها العقل في وقتها، فالاكتشاف الذي يمارسه العقل، لا يوازي التكشف الذي تمارسه الطبيعة، والعلمية التي يسعى لها الأول تبقيه في حالة من القلق والتتبع الدائم.
يشكل حي بن يقظان حالة اختبارية أولية، لواقع الوجود الحواسيّ، فنرى أن ابن طفيل قد اختار أن يكون بطل قصته واحدًا يمثل نخبة التفكر، وأنّ هذا البطل/ ابن طفيل، يمثل الواقع الانفعالي الذي أنشأته الطبيعة في نفسه، فعندما يجد ابن يقظان نفسه في الطبيعة دون أن يدرك خصائص نفسه وحاجاته ودونما أن يشكّل أي تجربة سابقة، يكون كالصفحة البيضاء التي يخط فيها ما يعدّ انفعالًا، بين طرفين متباينين أحدهما أقوى وأتمّ من الآخر، الطبيعة/ الإنسان. فنلحظ أنّ الأندلسيّ، وظف فيما يلي تشكيل شخصية خام، ردود الأفعال المنتقاة بحذر والتي تعبر - كما أشرنا- عن الإنسان النخبوي وليس نظيره السليقي، والمؤلف لا بدّ متأثرٌ بالقيمة التي تضفيها التعاليم الإسلامية على الإنسان، في محاولة رفعه إلى مستوىً من الرقيّ يصل به في نهاية الأمر إلى الإيمان بالله الخالق التامّ، عبر استكشاف صورة تمامه بالكون، فيما يُسمى الحلول على طريقة الصوفيّة.  وإن شئنا توسيع دائرة التأثر التي تقتضيها الطريقة التي مارسها حي بن يقظان بالاكتشاف، نلحظ أنّ المؤلف أراد أن يفرغ قالبًا عقليًا جاهزًا لديه، منبعثًا من التجربة الإسلامية التأملية التي مارسها المؤلف في حياته، مستثنيا ردود الأفعال التي كان من المفترض أن تتشكل لدى البطل / بن يقظان، لو كان مجرد صفحة بيضاء فعلاً، ولسنا بمعرض نقد ما بعد بنية النص عند ابن طفيل الأندلسي، أكثر من كوننا نسعى إلى دمج التجربة التأملية والاحتكاكية التي مارسها بن يقظان في رحلته مع نفسه ومع الطبيعة. ولا بدّ لنا أن نشير إلى كونه إذا ما أقرنناه بسدهارتا يمثل حالة الاكتشاف/ الأولية، في حين أن الثاني يمثل حالة نقد المألوف والبحث عن الذات بين الذوات الكثيرة عبر إعادة تقييم  للمألوف القيمي والأخلاقي وحتى المعرفي، والبحث مجددًا في الواقع، وتكرار التجربة التاريخية على غرار ما نجده عند الأندلسي من أولية التجربة.
والأمر يختلف اختلافًا بنيويًا وأخلاقيًا إن شئنا المقارنة بين سدهارتا وحي بن يقظان، حيث لهرمان هيسه خلفية لا تشبه خلفية الأندلسي الإسلامية، وهي الخلفية الثقافية التي تنتمي لأبوين مبشرين في الهند قد تشبعًا بتعاليم بوذا، فتأمل الذات في تكوينها وما يحيطها داخل نطاق ديانة تأملية خالصة يكون مجالا للبحث عن الجديد في هذا التأمل، الذي لا بدّ يتسم بالعمق في المبحوث على غرار بن يقظان الانفعالي، فسدهارتا، بحث عن المعنى الوجودي بالتجربة والاختبار، بعيدًا عن المعرفة الجاهزة التي تلقاها عن بوذا فافترق عنه، وكابد الألم والعناء، واختبر الإنسان وصفات الخير والشر فيه، وأخذ يثبت ذاته حينًا وينكرها آخر، واختبر الملذات، خمرٌ ونساء، وأخذ يتصور كيف يمكن للإنسان أن يكون إنسانيًا حقيقيًا، عن طريق ابتكار لغة روحانية عالية في الغابات وعند الأنهار على طريقة بوذا، أم بالاستغناء عن كل ما هو روحاني والعيش لتقضية حاجات الجسد والزهو النفسي وتكوين مجتمع اجتماعي وسياسي وأحيانا طبقي، كيف يمكن للإنسان أن يجد لنفسه صورة ذاتية تكون ناجعة ولا تفتح باب الاستثارة لمحاولات أخرى غير راضية عن الواقع، فالبحث كان عن صورة كليّة وتامّة وخالدة، تصدرها التجربة التاريخية للامنتهى. وفي نهاية الرواية يصل البطل إلى هذا السر الذي لا يستطيع إفشاءه، وحكمة لا يستطيع الإفضاء بها، كانت تلك خلاصة التجربة على الطريقة الصوفية أيضًا، فسدهارتا كان رحالًا يهدف إلى الحقيقة رغم كل التجارب السابقة، إلا أنّ ابن يقظان في مرحلة نموه وتعاطيه مع الطبيعة، كان يختبر مرحلة رحميّة من الوجود.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش