الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وطنــــي آليــــت ألا أبيعـــه ..

تم نشره في الأربعاء 22 أيار / مايو 2019. 12:11 صباحاً
عبير نصر الله

 بعد يوم كثيف بالدراسة وعبث الأطفال واصوات المعلمين عدت الى منزلي وانا أحمل في ذهني ما تركته لنا معلمة اللغة العربية كوظيفة منزلية ، وقد كانت طلبت منا ان نكتب موضوعا نعبر فيه عن ما نعرفه عن وطن .
وحين فرغت من اعمالي ذهبت لابي الذي كان يجالس جدي وجدتي ويقلب لهما محطات التلفاز يبحث فيه عن نبأ جديد أو صوت يرسم الأمل في وجوههما بعدما استطاع الحزن ان يخط عليهما درباً له.
هممت بسهمي الذي خلته سوالأ فقلت له ان يصف لي شيئا يرمز له بالوطن.
لكن وجدت الاجابة تخرج من جدّي قبل ان تجد الحروف لها سبيلاً لصوت ابي وقال : « ياسيدي هيو الوطن معلق غاد « ..
واشار بسبابته على اطار لوحة معلق على الجدار لم يتحرك منذ الأزل يكاد البصر يستنسخه لك على كل مكان كأنه جزء لا يتجزأ منه، يحتضن ذلك الاطار مفتاحا معتقا تقول ملامحه انه بقي وحيداً منذ زمن وانك لو  استطعت لمسه لسمعت منه قصصا لم تصل يوما إلى اذن مستمع.
فالتفت إلى ابي ابحث عن تفسير لهذا اللغز فكانت الكلمات محتبسة في وجهه تخاف ان تخرج فتبعثر أحلام جدّي الوردية .
أما جدتي فقد استرسلت ببصرها بعيداً جداً كأن ذاكرتها افاقت من غفوة وأخذت بيدها وحملتها خارج حدود المكان إلا ان أتاها صوت جدي موقظاً لها قائلاً : «مالك يا حجة تفكريش ولا تكلكيش اخرتنا نرجع عالبلاد !»
فاعتلى بعد ذلك صمت مدوي ، كأن الكلمات اصبحت محرمة على كل أحد منا.
عدت بعدها ادراجي منسحبة لاجئة لمكتبة ابي لا أبالي بما كان لدي من وظيفة بل باحثة عن درب أجد فيه وطني ، فوجدت أن وطني ليس سؤالا تجيب عليه وتمضي  فهو ليس أرضا تحاط بحدود وحواجز ، هو قضية لكل الأمم فيه أبواب مشرعة لكل زائر،  يحتضن في ثراه أمة من كل زمن ، جميعنا فيه اخوة تجمعنا الأرض الصامدة على مرور النكبات .
في وطني تتعالى قصص الأنبياء تجوب فيها بين الأرض والسماء ، ولنا فيه شمس مقدسة ترابط معنا منذ عصور إذا ابصرتها تظن انها هبطت من السماء وجعلت من الأرض لها مسكنا بعدما اشفقت على شعبه الذي تتوالى عليه العقبات حتى اصبحت النساء تلد الشهداء فيه تباعاً ، وتتساقط الأرواح فيه كأوراق الشجر في كل المواسم .
في وطني يسقى التين والزيتون بالدماء فتجده شامخاً يناجي السماء ، والجبال فيه تشتعل نار والمدن فيها لها اسوار صامدة تشهد على حضارات وأمم مرت من خلالها.
في وطني تتعالى اصوات المآذن كانها محبوب فاض فيه الشوق إلى محبوبته فياتيه الرد من أجراس الكنائس كانهما كانوا على موعد للقاء.
وفيه عروس متباهية بجمالها تختال بمشيتها على ضفاف البحر الأبيض تسعد كل ناظر لها إلى أن اتخذ من ثوبها كفناً احيط به أجساد الأبرياء.
 ما إن فرغت من قراءة كتب أبي وجدت أن ذلك المفتاح لم يعد إلا قطعة أثرية مجهولة الهوية لا تنتمي لمكان على وجه هذه الارض لأن مستوطنة لغاصب تدعي الحق فوق ارضه.
وأن جدي قد ارتحل من زمن قبل أن تلامس قدماه ثرى بلاده، وأن جميعهم حولي فقدوا الأمل حتى كادوا ينسون حقهم في العودة ، وان من تذكر قضيتنا اصبح كمن يعيش في ضرب من الخيال
ولكن سابقى أحمل الأمل في قلبي على أن تكون لي بقربه خطوة بعد ليله الدامس وكل ذلك الفرق ، حتى وان لم يكن بالإمكان .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش