الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمــد أبو طيــر: مـات أبــي وهو يحلــم بالعــودة إلــى أم طوبـــا

تم نشره في الأربعاء 15 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 15 أيار / مايو 2019. 09:50 صباحاً

 شخص مثابر وطني محب للمعرفة والاطلاع دوماً، ولد وترعرع وهاجر من قرية صغيرة وادعة هادئة تقع على سفح جبل المكبر مشرفة بأجمل مطل على مدينة بيت لحم، جامعة بين الهواء العليل والمناظر الخلابة والخضرة المتنوعة كلوحة رسمت على سفح جبل، اكتسب منها ومنذ مراحل طفولته المبكرة مشاعره المرهفة وحبه للحياة والارض والطبيعة والوطن، في منزله في عمان، في منطقة صويلح التقينا السيد محمد عبد الغني أبو طير ليحدثنا عن قريته وهجرته ونزحته :» انا مواليد 27-12-1940 في قرية أم طوبا الواقعة في قضاء القدس الى الجنوب منها حيث تجاورها قرية صورباهر ويليها جبل المكبر، وكلها تقع على مشارف مدينة بيت لحم. كان عدد سكان قرية أم طوبا في فترة الانتداب البريطاني لا يتجاوز 300 نسمة. أما مختارها فكان والدي عبد الغني محمود ابو طير الذي استلم المخترة حتى اوائل الستينات.
في قريتنا توجد آثار رومانية ومسجد تاريخي وهو المسجد العمري ، اقامه عمر بن الخطاب عندما مر من القرية حيث صلى فيها وأمر في بناء المسجد في نفس المكان والذي لا يزال موجودا حتى الآن.
من ناحية جغرافية تعتبر القرية سفحية ويكثر فيها شجر الزيتون وخاصة الروماني وجميع اللوزيات، لذا كان أهل القرية جميعهم فلاحون يعملون في اراضيهم، متعاونين ومتحابين يتشاركون بالمواسم وبالافراح والاحزان ويتقاسموننها ايضا مع اخوانهم المسيحيين من بيت جالا وبيت ساحور القريبتين من القرية حيث تبعدان عنها مسافة 8كم فقط، ونمط الحياة الاجتماعية هذا كان نابعا من ان عدد اهل البلد قليل وكلهم من نفس العائلة، عائلة ابو طير، ابناء خمس اخوة والدهم اسحق ابو طير وموسى ابو طير، بقيت كذلك حتى العام 1967 حيث سكنها فلسطينيون من قرى القدس ومن قرى الضفة كالخليل، والآن عدد سكانها 5 الآف نسمة.
لم يكن في قريتنا - حتى النكبة – لا ماء ولا كهرباء ولا شوارع معبدة ولا مواصلات، كل ذلك كان في القدس، وكان في القرية مدرسة ابتدائية واحدة شراكة مع مدرسة صور باهر الابتدائية. اما اهل القرية الذين كان وضعهم المادي جيد فكانوا يرسلون ابناءهم الى المدرسة الرشيدية في القدس، تلك المدرسة التي افتتحت في حقبة الحكم العثماني حيث سميت على اسم المحافظ التركي في القدس  آنذاك ، رشيد بيك.
أكملت دراستي الابتدائية في ام طوبا ثم خرجت الى  المدرسة الرشيدية لاكمال المرحلة الاعدادية والثانوية.
ومما تحمله ذاكرة طفولته من مواقف واحداث، يقول محمد ابو طير:» هناك حادثة اتذكرها عندما كان عمري 7 سنوات؛ في العام 1947 ، اي قبل النكبة بعام، كان اليهود  يرسلون تجاراً لبيع الاقمشة في القرى، فيتجولوا فيها ويبيتوا فيها احياناً، اذ يحملون على ظهورهم قماشاً وخيطان ونول الغزل ويلبسون بدلات لونها كاكي وكان معهم تاجر اذكره جيدا اسمه ابو موسى اليهودي كان مشهور في قريتنا  ، كان يقرض اهل القرية نقودا ، وهنا استذكر قصته مع احد اهل قريتنا وهو جد والدي موسى، اذ جاء يطالبه ابو موسى بدينه فلم يعطه اياه فقال له ابو موسى اليهودي: «سأخذه من عينك»، وذهب. وفعلا في العام 1967 وقفت سيارة «لاند روفر» عند بيته ونزل منها شباب قالوا له انهم ابناء ابو موسى اليهودي وانهم جاؤوا يطالبونه بدينه، فأخرجوا دفترا وعليه المبلغ مع فوائده على مر السنوات التي مرت».
وأذكر من صباي حادثة اخرى، حيث كانت تقع غرب قريتنا مستوطنتي «رامات راحيل» و»تل بيوت»، وكان كل شهرين او ثلاثة يخرج منها فرق كالكشافة يرتدون البدلات الكاكي وحقائب كبيرة على ظهورهم وعصا ثقيلة على اكتافهم، عددهم 500 تقريبا ويخرجون صباحا من من وسط البلد ويمشون بطابور متتابعين الخطى مع نشيد بصوت واحد حتى يصلون البحر  الميت ، ولأن والدي المختار قدّم شكوى لمحافظ القدس الانجليزي -آنذاك- باسمه وباسم اهل البلد، فكان الرد من المحفظ بان هذه المجموعات اليهودية كشافة ولهم نشاط جماعي ليسوا كالعرب.
وأذكر في الفترة قبل انسحاب الانتداب البريطاني، انه تم منعنا من حمل السلاح، حتى الشبرية منع اهل لبلد من حملها ، كما منع منعا باتا استخدام الملح من البحر الميت وامرونا باستخدام الملح الانجليزي، كما تم منعنا من زراعة الدخان من اجل استهلاك الدخان الانجليزي، كما دعمت بريطانيا مخاتير القرى اذ اغطت كل مختار بندقية انجليزية االتصدي للعصابات الصهيونية التي زودوها بالدبابات والمدافع.
عندما وقعت حرب 48 كان الناس في قريتنا في حالة فزع وخوف مما وصلهم من اخبار القرى الاخرى والمذابح التي ارتكبتها عصابات «الهاجاناه»»وشتيرن» الصهيونية فيها. لم يخرج احد من قريتنا. وفي نفس ذلك العام 1948، بعد مغادرة بريطانيا، جاء الى قريتنا مجموعة جنود من الاخوان المسلمين،مصريون وسودانيون،  بحدود 100 جندي، يحملون حقائبهم وادواتهم وسألوا عن العمدة، رحب بهم واستضافهم وفي اليوم الثاني  توجهوا الى  الحدود مع المناطق المجاورة التي استولى عليها اليهود وبدؤوا بحفر الخنادق بمساعدة اهل البلد، محاولين التصدي للعصابات الصهيونية.
أكثر مذبحة سمعت بها قريتنا هي دير ياسين، فقد كانت ديوان الناس، فقد سمعنا انهم جمعوا النساء والرجال في المساجد وذبحوهم هناك. بقينا في قريتنا ام طوبا حتى العام 1967 .  لم يأت لاجئون الى قرى القدس بسبب الحواجز العسكرية والمستعمرات الاسرائيلية.
واعود هنا الى فترة انهاء دراستي في الرشيدية ، حيث خرجت بعدها الى  عمان وكان ذلك في العام 1961 اذ لحقت بابي واخي الذين سبقاني الى هناك، وبقيت امي وبقية اخواني هناك. كنا ننزل لزيارتها كل شهر، بقينا على ذلك الحال حتى وقعت حرب 1967، وبالصدفة كان ابي هناك في اجازة، حضر الحرب وحضر الاحصاء الاسرائيلي ثم عاد الى عمان وعاش فيها ستة اشهر على امل ان يعود الى القرية بعد اشهر ، لكن عندما حان وقت عودته منعوه، فقد الامل بالعودة ، حاول كثيرا قطع الجسر وزيارة قريته لكن لم يسمح له، طلب من  اقاربه ان يسعوا له ويساعدوه في العودة فاستشاروا  محامي يهودي حيث طلب منهم اثباتات وكواشين تثبت انه من اهل البلد مغ الف دينار اردن، قدم الوثائق والالف دينار ولم يستفد شيئا. وهكذا بدأ التهجير القسري الممنهج لاهالي القرى الفلسطينية.
مات ابي وهو يحلم بالعودة الى أم طوبا. وهذا ما احلم به وأتمناه انا ايضاً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش