الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نظمية الوحيدي: أعطوني حبة تراب من فلسطين أبوسها

تم نشره في الأربعاء 15 أيار / مايو 2019. 01:00 صباحاً

 من صحراء فلسطين وأرضها الممزوجة بخيوط الشمس الذهبية، من قرية السُكّريّة، هاجرت وهجرت البيادر والابل والغنم والتعليلات البدوية والسّمر، تحمل خيمتها البدوية المحاكة من وبر نوقها الجميلة، والتي بليت في رحلة هجرتها وترحالها ليستبدلها لها الظلم والاحتلال والتآمر بخيمة اللاجيء الباردة التي قيدت في مساحتها الضيقة كل أحلامه وآماله.. السيدة نظمية فوّاز سليم الوحيدي التقيتها في بيتها في مخيم البقعة في الاردن لتسرد لنا حكاية نكبتها وهجرتها. 
«أنا من مواليد العام 1938 من عائلة  الوحيدي من عشيرة الجبارات، من بئر السّبع من منطقة السُكّرية، تقع قرب  مدينة الخليل،  جدودي كانوا فلاحين يزرعون أراضيهم وعندهم خدّامين للأرض يحرثون ويدرسون وعندهم حلال كثير. كان والدي صيّاد غزلان وشنّار وأرانب.
كنا نعيش في بيوت شعروعندنا عرباية يسوقها بغلين، وعليها ننقل القش والزرع، كانوا يؤجرونها للبيادر، كنا نعيش بخير وفير.
كان عند كل بيت مواشي وجمل وبقر، كان اهل البلد يزرعون القمح والشعير والذرة.
كانت أعراسنا مميزة، دحيّة لمدة ثلاثة أيام وثاني يوم بعد العرس  ذبح ويعملوا مناسف وكانت مناسفنا مختلفة عن الآن ؛ جريشة قمح وخبز ولبن جميد. في شهر آذار كانوا يحلبوا ويخضوا ويحضرون الجميد.
كانوا في شهري آذار ونيسان يأخذون الغنم على جبال القيسية ويعملون السمن والزبدة ويحضرون مونة الشتاء. المباسيط لا يبيعون ما يحضرونه في ذلك الموسم، ونحن كنا نخبئ مونتنا ونعطي المحتاجين.
وفي شهر رمضان والاعياد كنا نتزاور فيما بيننا وكل يوم نتناول طعام الافطار معاً، فلكل عشيرة ديوانها والذي هو عبارة عن بيت شعر كبير جدا فيه شق للرجال وآخر للنساء. كانت عائلتنا تجتمع، تطبخ النساء الطعام قبل آذان المغرب ومن ثم تجتمع العائلة باكملها ويتناولون افطارهم معا.
في عراق المنشية على رأس  الجبل كان هناك مقام، وحسب روايات اهلنا قديما فان جثة لميت كانت تطير في السماء قادمة من ناحية مصر وحطت على رأس ذلك الجبل فبنوا عليه مقاما وقالوا انه ولي ميت، وآمنوا بذلك وسمي مقام العُريني وبقربه «كُبّانية» لليهود.
كنّا نجني الزعتروالعكوب من الجبال، كان الخير كثيرا.
لم أذهب الى المدرسة، لم يكن في قريتنا مدرسة ، كانت فقط في السّبع، وبعيدة  جدا عنا، بلدنا كان فيها فقط خيام ومواشي وبدو وطريق بعيدة كنا نمشيها حتى نصل خط الباص حيث كان هناك شركة باصات على  الخط الرئيسي، كانت عملتنا الجنيه الفلسطين، والقرش.
كنا نطلع يوميا للتحطيب وجلب الماء من البئر، بئر البلدة.
خرجت من بلدتي السُّكرية فقط مرتين، وانا عمري سبع سنوات اخذنا والدي على المجدل وعلى منطقة اسمها الحسين، تقع على البحر، وسميت كذلك على اسم سيدنا الحسين.
البدو كانوا شديدين على النساء والبنات ولا يسمحون لهن بالخروج.
 وبالنسبة للتعامل بالنقود فلم يكن الكل يملكها في بلدنا، كنا نتعامل بتبادل الغنم واللبن والجبنة.
تزوجت في الهجرة من ابن خالتي وكان عمري 14 عاماً، وكنا آنذاك قد لجأنا في  منطقة قريبة من بيرة رام الله، قرية اسمها سُردا، كان مهري 1200 ليرة أخذت المقدم 20 دينار  ولم آخذ الباقي. لم أر زوجي الا ليلة العرس، حيث كان يعيش في أريحا بعد العام 1948.
في العام 1948 كان اليهود في عراق سويدان على الجال الغربي، وكانوا يهاجمون البدو ويقتلون ويعتدون، بدأ الناس بالهروب، وقتل اثنان من عشيرتنا الوحيدات، ونحن خرجنا عندما سمعنا بأخبار عن ما بدأت ترتكبه العصابات الصهيونية، حيث هاجموا بيت حسن أبو جابر الواقع جنوبي السبع،  وهو رجل معروف ورجل حقيقي فعلا، قتلوا فرسه والهجين وحراس البيت و3 اشخاص من العشيرة وشردوا أهل البلد.
هرب اهل البلد على (سكة بابور) المحراث وفي الباصات، خرجنا في العام 1948 الى العروب في قضاء الخليل، كل عائلتنا؛ أعمامي وأخوالي.
دار خالي الحاج حسين وخالي عطية وعيلة عبد الرحمن وعيلة خالي الحاج حسين.
سكنا في العروب في بيوت شعر، أخذناها معنا من السكريّة، فقد كان مع اهلي في طلعتنا  منها عرباية ببغلتين حملنا معنا الفراش والعفش، لقد تركنا أرضنا ومساحتها 200 دونم لوالدي وأعمامه، كل دونم أرض واحد كان يعطينا 100 شوال قمح، بلادنا بلاد خير وفلاحة، أرضنا لم تكن صالحة للفواكه مثل العنب والتين، كان يأتي الينا جمّالون من الخليل وحلحول، كانوا يبيعوننا عنب وتفاح وتين وصبر وفجل وبندورة مقابل الذرة والقمح.
 تركناها ولم نعد اليها ، تركنا القمحوالشعير والذرة، تركنا البيادر. بعد الهجرة عاد والدي  وتسلل الى  ارضه فوجد ان اليهود أخذوها وضمنوها لشخص بدوي اسمه الزبيدي.
خوالي ذهبوا الى رام الله وأقاموا في البيرة وسردا، بقي أهلي في العروب وأنا خرجت منها عندما تزوجت الى سردا. وأذكر عندما خرجت من العروب الى سردا بدأ الثلج يتساقط وكنا نمشي حفاة الأقدام.
ثم هاجرنا الى أريحا وانجبت هناك طفلي الأول والثاني، ثم عدت الى مخيم العروب وأنجبت هناك ابني الثالث ثم انتقلنا الى مخيم بلاطة حيث أقمنا هناك حتى أنجبت ابنتي الأولى وخرجنا منها في العام 1967 الى غور نمرين في الكرامة. أقمنا فيه ثلاثة شهور الى ان وقعت معركة الكرامة وأذكر آنذاك انني كنت حاملا وبدأ اليهود بقصفنا بقوة وشراسة وقصفوا خيامنا، مما اضطرنا الى اللّجوء لكن هذه المرة الى الضفة الشرقية الى منطقة المقابلين، حيث استأجرنا هناك بيتا وسكنا فيه حوالي ثلاثة اشهر  او اربعة ثم رحلنا الى مخيم  البقعة وكان عبارة عن خيام فقط ، أخذنا خيمة وأقمنا فيها ثم جاء فصل الشتاء وبدأ الجو العاصف والثلج فقامت وكالة الغوث بعمل بيوت وهي  عبارة عن براكيات من الاسمنت والزينكو على شكل وحدات بمساحات صغيرة، نحن حصلنا على وحدتين لان عددنا كان كبيراً، حارتنا التي سكنا بها اسمها حارة الوحيدات، في حي القدس، وأهلي- اولاد اخوتي واولاد اعمامي وعمتي-  لا زالوا في العروب، اتمنى العودة اليها، بلادنا ارواحنا».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش