الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هزيمة لا تتلاشى

رمزي الغزوي

الأربعاء 15 أيار / مايو 2019.
عدد المقالات: 1977

من العرب من هم  ليسوا فنانين بذر الرماد في بحلقة العيون فقط، بل هم المبدعون الأشاوس في رش غيوم السكر على جثة الموت الباردة، لتحويلها إلى بوظة شهية تلطف قيظهم، وهم أصحاب امتياز في تدبيج التسميات والألقاب والنعوت، ولهذا سموا هزيمة أيار نكبة، وهزيمة حزيران نكسة!، في إشارة سابرة، أن هذه الحرب ليست إلا كبوة جواد، ما يلبث أن ينهض يكمل مسيرته المجيدة نحو السؤدد، وهذا ما ضاعف من هزائمنا وفاقمها ورتب عليها مزيدا من الخسائر، فإذا كان مواجهة الهزيمة تتطلب أن تعترف بها أولاً، كما أشار ميكافلي في كتاب الأمير، فإن أمة العرب ضحكت على ذقن حالها. مصيبتنا أننا لا نسمي الأشياء بأسمائها.
رغم أن هذه الهزيمة أصبحت بعمر 71عاما إلا أنها ما زالت طازجة بصفحة التاريخ، لم يبرد طلق مخاضها، ولم يجفّ سيل دمها عن عقبيها، ولم تنكمش مشيمتها، ولم يهدأ نفث زفيرها وشهيقها الملتاع، طازجة أحسها كجرح مرشوش بالملح والزجاج المبروش، وربما شبنا قبل أواننا بكثير، وربما ولدنا شيوخاً بعكازات عوجاء، وربما ذبلت أفراحنا الخجلى تحت وطأتها، واحدودبت قاماتنا تحت أثقالها وأثافيها، لكنها ظلت طازجة وستظل طازجة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وإذا كانت كل مصيبة تبدأ كبيرة وتضمحل شيئاً فشيئاً حتى تتلاشى وتندمل، إلا هزيمة نكبة الثمانية والأربعين فقد ولدت كبيرة، وازدادت ثقلاً مع كل دقيقة علقم تمر في ميناء ساعاتنا، وكلما قلنا ستزول سحابة الشوك هذه؛ تبرعمت حولها الهزائم، وخرجت من جنباتها فسائل الانكسارات، ولهذا فكلما دقَّ الكوز بجرة أيارنا؛ امتلأت وجوهنا دموعاً، وأجهشنا بالوجع حدَّ التراقي؛ فعسى الوجع يحزّ فينا جلداً، وعلَّ الألم يهزُّ فينا شَعراً بات شوكاً.
اليابان خسرت حربها، لكنها نهضت من كبوتها قوية مزدهرة، وكذلكم ألمانيا وتركيا وأيطاليا وغيرها من شعوب العالم، إلا نحن فهزيمتنا لا تتلاشى إلا لتكبر من جهة أخرى، ولا تذبل إلا لتتناسل إلى هزائم مبثوثة في كل الجنبات. فكم نكبة أو نكسة مرت بنا عقب آيار وحزيران وبلعناها، ولم تعلمنا شيئاً ولم نغادرها أو تغادرنا؟.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش