الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إذا تكلّم المرء في غير فنّه أتى بالعجائب

د.حسان ابوعرقوب

الأربعاء 1 أيار / مايو 2019.
عدد المقالات: 262

هذه الجملة قالها الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، فالإنسان عندما يتكلم في غير تخصصه سيتكلم غالبًا بما لا يعلم، وهنا ستسمع منه العجب العُجاب. وربما كانت هذه أحد صفاتنا هذه الأيام فكل واحد منا نصف طبيب، ونصف مهندس، ونصف اقتصادي، ونصف سياسي، تعددت الأنصاف والجهل واحد، وفي هذا يقول الإمام ابن حزم: « لا آفة على العلوم وأهلها أضرّ من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يَعلَمون، ويُفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون».
وقد عثرت على من أحبّ أنْ يكون نصف مفتي، فأطلق إلى الفضاء الإلكتروني فتوى لا نظير لها، مع أنه لم يدرس الشريعة لا في جامعة ولا على العلماء، بل يحسب أن العلم يأتيه بطريق الوحي والإلهام. وآخر ما تفتقت عنه علوم (المفكر الملهم): ( أن الإنسان المسلم مخيّرٌ بين أن يصوم أو يختار الفدية، وإن كان قادرا على الصوم، ومن اختار الفدية فعليه ألا يشعر بالذنب؛ لأن الله خيّره، ولأن الفدية إطعام مسكين فلو أن أغلب للمسلمين اختاروا الفدية سيجتمع للفقراء ملايين الدولارات، وينصح (المفكر الملهم) ألا يسأل الإنسان أحدا، بل يختار ويقرر بنفسه إما الفدية أو الصوم).
وأمام هذا الكم الهائل من الهذيان الذين يُنكر فيه المتكلم لزومَ الصوم وتعيّنه على القادر عليه، وهو من المعلوم من الدِّين بالضرورة ومحل إجماع المسلمين، أسأل، ألم يقل ربنا: (كتب عليكم الصيام) أي فُرض، ثم قال: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أي من حضره ولم يكن مسافرًا أو مريضًا، فعليه أن يصوم.
أما قوله تعالى: ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يعني: الذين لا يطيقونه بإضمار (لا) النافية، ومثل ذلك مستعمل في اللغة، ونظيره في القرآن قوله تعالى ( يبين الله لكم أن تضلوا) أي لئلا تضلوا. وفي قراءة بعضهم (وعلى الذين يُطوَّقونه) أي يكلفونه فيكون كالطوق في أعناقهم فلا يطيقونه.
نعم ذكر فريق من المفسرين أن المراد من قوله: (وعلى الذين يطيقونه) المقيم الصحيح، فخيره الله تعالى أولا بين هذين، ثم نسخ ذلك، وأوجب الصوم عليه. فالتخيير كان في البداية عند من قال به ثم نسخ.
ومن المفسرين من جعلها في كبار السنّ،  بدليل قول ابن عباس: «نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجّز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نسخت بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم».
والحاصل: أن الله تعالى بيّن أن الصوم فرض على المسلمين، ثم رخّص للمريض والمسافر الفطر مع القضاء في (عدة من أيام أخر)، وبيّن أحكام كبار السنّ الذين لا يتمكنون من الصوم أو يقدرون عليه بمشقة بالغة تلحق بهم، فهؤلاء يخرجون الفدية ولا يصومون.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش