الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقاصد الشريعة في العمل التربوي

تم نشره في الجمعة 26 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً


د.فتحي الملكاوي
كان علمُ أصول الفقه مجموعةً من القواعد التي تُنظم عملية استنباط الأحكام الفقهية، ثم أصبح موضوعُ المقاصد مبحثاً من مباحث علم الأصول، وتطوّر الوعي بالمقاصد عبر مراحل متتابعة، عبّرت عن اجتهادات العلماء في التعامل مع المشكلات المتجددة عبر العصور. ولا شك في أنَّ الاهتمام بمقاصد الشريعة قد أصبح ظاهرةً ملموسةً في العقود الثلاثة الأخيرة، وقد وصف الريسوني هذا الاهتمام بأنه «صحوة مقاصدية» جاءت بعض تجلياتها في تعليم موضوعات علم المقاصد بصفته مادةً تعليميةً في مراحل التعليم الجامعي، أو في صورة موضوعات مقاصدية في دروس مادة التربية الإسلامية في التعليم العام. (أحمد الريسوني. الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، 1999م، ص7.)
لكنَّ هذا الاهتمام لم يكن كافياً لتلبية الدعوة إلى ما سمّاه النجار «نهضة مقاصدية» في الفقه الإسلامي، تكون وظيفتُها تفعيل مقاصد الشريعة، «بإعادة تحريرها وتقريرها وتصنيفها، وبالتحقيق فيها من حيث ذاتها ليُبنى كلُّ حكم على المقصد المناسب له، وبالتحقيق في مآلاتها، لتُبنى الأحكام على المقاصد التي تتحقّق في الواقع، وتعالج المشاكل الواقعية. ويقع اليوم ضررٌ كبيرٌ بالأمة نتيجة الغفلة عن هذا التفعيل للمقاصد في مراحله المختلفة.» (عبد المجيد النجار. مراجعات في الفكر الإسلامي، 2008م، ص137-138.)
وقد عرفنا أنَّ مقاصد الشريعة تشمل كلّ ما يحفظ على الإنسان نفسه وعقله وماله وعرضه، والإنسان هنا فرداً ومجتمعاً وأُمَّة، كما يشمل نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتتسع مقاصد الشريعة لتشمل حفظ نظام العالم بمكوناته البشرية والطبيعية. لذلك فإنَّ تفعيل مقاصد الشريعة يتجه إلى كلِّ هذه المجالات. ونحن نختار في هذا المقام أن يتوجّه الحديث إلى تفعيل مقاصد الشريعة في مجال محدّد هو التربية والتعليم.
إنَّ معظم نُظُمِ التعليم العام والجامعي في العالم تعاني من مشكلات عميقة، حتى بدا وكأنَّ حلول هذه المشكلات لن تأتي من داخل هذه النظم وتقاليدها ونظرياتها، وتتطلع إلى أية نماذج أو تجارب أو أفكار تُسهم في حلِّ هذه المشكلات. ولو أمكن تفعيل المقاصد في صياغة نظام تربوي إسلامي لأصبح هذا النظام في موقف اليد العليا التي تعطي خبرتها وحلولها، وليسهم مِنْ ثـمَّ في إثبات ادعاءاتنا بعالمية الإسلام، وخاصيته العمرانية الاستخلافية، وبأنَّه رحمة للعالمين.
وتأتي أهمية الحديث عن تفعيل المقاصد التربوية، من ملاحظتنا للقصور في المفهوم الشائع للتفعيل في بعض الكتابات المعاصرة. ذلك أنَّ الوعي بحداثة الاهتمام بموضوع المقاصد ولفت الانتباه إليه بوصفه من قضايا التجديد في دراسة العلوم الدينية، رافقته دعوةٌ إلى تعليم هذا الموضوع وتقديمه في عدد من المستويات في مراحل التعليم العام والجامعي. فهذا النوع من التفعيل لا يتجاوز كونه تقديم مادة دراسية جديدة، تضاف إلى المواد الأخرى. ونحن هنا لا نقلّل من أهمية هذا المفهوم وضرورة تأكيده في المناهج التعليمية، لكنَّه في نهاية المطاف هو تعليمٌ للمقاصد بوصفه موضوعاً للدراسة، لكنه لا يتضمن بالضرورة تفعيلاً للمقاصد في تعليم المواد الدراسية أو توظيف علومها.
وقد يصل مفهومُ التفعيل إلى مستوى أكثر تقدماً عند الدعوة إلى الانتقال من تعليم الموضوعات المختلفة في العلوم الدينية، ولا سيما الأحكام الفقهية في مجال العبادات والمعاملات وطرق استنباطها أو الاستدلال لها بالطريقة التقريرية، إلى تعليم هذه الأحكام الفقهية مع بيان مقاصدها وما يحتفُّ بها من حِكَمٍ وعِللٍ وأسبابٍ. ومن المؤكّد كذلك أنَّ هذا المفهوم الثاني له وجاهتُه وضرورته، فهو يتعامل مع المقاصد بوصفه منهجاً في التعليم.
لكننا نحتاج أن نتقدم خطوةً أخرى في مفهوم تفعيل المقاصد التربوية والتعليمية، بالنظر إلى المقاصد أو الغايات، أو الأهداف التربوية ذات الصلة المباشرة بشخصية الإنسان الذي نستهدفه في العمل التربوي، والتعامل مع مقاصد العلوم التي يلزم أن يكتسبها هذا الإنسان، وبناء الصورة التي يتجلّى فيها سلوكُ هذا الإنسان في الواقع العملي والحياة الاجتماعية، وتشكيل الحالة الحضارية للمجتمع الذي نمارس من أجله تفعيل المقاصد التربوية.
ونحن نرى أنّ المقاصد التربوية التي نتحدث عنها هي المقاصد القرآنية التي تتصل اتصالاً مباشراً بالقضايا التربوية التي نبتغي لها حُكْماً، والحُكْم هنا لا يقتصر على تقديم الفتوى بما يجوز وما لا يجوز أن نفعله في مسألة تربوية، وإنَّـما هو إقامة الصلة بين المقاصد القرآنية والحالة التربوية في مجتمعاتنا الإسلامية؛ في جميع أركان هذه الحالة التربوية، وما تستند إليه من فلسفة ونُظم وبرامج ومناهج، وما تتَّصف به حالة المعنيين بالتربية في مستوياتهم الإدارية المختلفة، وما ينعكس به كلُّ ذلك على حالة الإنسان التي تُـخْرِجُه مؤسسات التربية. وبذلك يبدأ تفعيل المقاصد التربوية ببناء الرؤية التربوية الإصلاحية، التي تفعّل مهمة التربية في الإصلاح والتغيير والنهوض الحضاري للمجتمع. ومن يستطيع بناء هذه الرؤية غير الفَقِيهِ الـمَقاصدي التربوي؟!
والمعنيون بالتربية والتعليم ليسوا هم فئة العاملين في المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية والتربوية وحسب، فكلّ أفراد المجتمع معنيون، وكل فرد هو معلم أو متعلم، بصورة من الصور، وكل فرد هو ابن أو أب أو أم. وتفعيل المقاصد في هذه المستويات يعني فيما يعنيه أن تكون عناية كل فرد بالتعليم والتربية عناية جادة تتصف بالإيجابية والشعور بالمسؤولية، ويؤدي هذه المسؤولية بأمانة ورغبة واستمتاع، تحفزه في ذلك حوافز داخلية بنيّة خالصةٍ يقصد فيها أداء واجب مقدس، في النهوض بمجتمعه وأمته، كما يقصد رضا الله ونعيم الآخرة.
ونحن حين نؤكد أهمية المشاعر والقناعات الفردية في المسؤولية عن تفعيل المقاصد في التعليم، لا ننسى واجب المجتمع في توفير البيئة التعليمية والتربوية التي تؤمن بأنَّ التعليم رسالة مقدسة، وأنَّ المربين هم أحقّ الناس في المجتمع بالتكريم المادي والمعنوي. ومن المتوقع أن يتجلَّى تفعيل مقاصد الشريعة في التعليم في المجتمع في تحقيق المصالح والفوائد والعوائد المنشودة في رتبها الضرورية والحاجية والتحسينية، وبذلك يظهر الأثر التربوي المباشر على الفرد والأسرة والمجتمع.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش