الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كالقمرِ وحيدًا

تم نشره في الجمعة 5 نيسان / أبريل 2019. 01:00 صباحاً

نايف النوايسة
ماذا تنتظر؟   
هيّا قمْ وانطلقْ، لم يبقَ لك شيءٌ تفعله!
وانفضِ التراب العالقَ على كفيك، حتى الحصاة التي تُقلبها بين أصابعك دعْها!
فأنت الآن وحيدٌ كما وُلدتَ، وليس هنااااااك من ينتظرُك!
***
قام كما لو أنه لم يشكُ من ألمٍ استوطن ركبتيه ومفاصله، وكاد يترك عصاه التي رافقته ردحاً من الزمن.. عدَل عباءته على عاتقيه والتي صارت تلازمه كظله.. تلفت حوله وهو مطأطئ رأسه فهاله أن يكون في مرمى العيون.. بدأ يدُرك أن في عيون الناس ما يُقال.. حسم الأمر وخطا خطوات متأنية قادته خارج المقبرة.
الصمت سيد الحضور.. لم تُخفِ البسمة العالقة بين شفتيه مرارة الفقد التي رشحت من قسمات وجهه.. هو الآن شخصان متداخلان؛ يضحك ويبكي، ضعيف خائر وقوي متماسك، مع الناس وغائب عنهم..
تقبّل التعازي ثم مضى وحيداً، وفي أثره جمعٌ كبير من الناس.
***
ثلاثة أيام بلياليها والناسُ من حولك دوّامةٌ لا تهدأ.. أنت تعلم أنها ستضعف وتتلاشى وفي عقباها ينتصبُ أمامك الواقع.
أنت الآن وحدك في البيت خافق الفؤاد، وبصرك حديد.. قدماك لا تقويان على حملك.. دموعك تُطل من بوابات العيون..
نفسك الخائرة تهوِي في جُبٍّ سحيق كلما دنوتَ من باب الغرفة..
نمْ كما تشاء وأينما تريد.. ها أنت تشخص ببصرك إلى غرفة النوم.. لا أحد ينتظرك فيها.. نادِ كما تريد ولكن صوتك يرتد إليك وهو حسير.
***
وحيداً في الضوء تُحاصرُك الجدران.. حاول إطفاءه.. ارتجف اصبعه فأبعده عن كبسة الكهرباء وافترّت شفتاه عن بسمته المعهودة كلما أراد الشروع بالحديث، وقال صامتاً والألم يعصره: وهل يعني الضوء شيئاً في رحيلها، وما الضوء إلاّ شقيق العتمة؟!
ما هذا القذف الفلسفي الذي اعترى لسانه وهو في مقام الاقتراب؟! كل شيء مسموع في هذا الصمت المطبق إلاّ صوتها.. هو الآن على شفير الوحدة ولا مجال للفلسفة.. بدأ يدرك معنى هذه اللحظة.. يفتح الباب بيدٍ مرتجفة ويدخل خائفاً. 
***
تعالَ..
اُدنُ من السرير.. لا تخفْ..
أنا ملازمة لك حية وميتة.. أين ستذهب بعدي وقد قذفتك السنين إلى مرتقى العمر الصعب؟!
مُدّ يدك فها هي أصابعي بانتظارك،. لم يتغير شيء أيها الحبيب..
لا تتراجع فلن أتركك وحيداً..
***
يُلصق ظهره بالخزانة زمناً ثم يفتحها بحذرٍ شديد وعيناه لم تبرحا السرير.. يفوح عطرٌ يعرفه فيُدير وجهه للدولاب الذي رُصّت فيه ملابس زوجته الراحلة، فيبكي بحرارة وهو يتحسس كل فستان ويتشممه.. يتجرأ أكثر فيمسك بكل شيء لها.. يخاف ويتراجع ويلتفت إلى السرير بسرعة.. يكاد يلمحها.. يُلقي بنفسه على ناحية منه ويجهش بالبكاء..
***
لا تخف.. اقترب مني، وهل تظن أني فارقتك؟! وماذا يعني الفراق، وقد أسررت لي بذلك البارحة؟! وقلت لك: إن كنتُ أنا في قبري، فما الأمر إلاّ تغيير سكن، فاخضلّت عيناك بالدموع..
ألم تقل يا صاحبي ذات صباح مُطمْئِناً: سيلحق أحدنا بالآخر؟
ها أنا تعجلت الرحيل وسبقتك.. الصمت يُطبق على الغرفة، ويخترق همسها كل مجسّات حواسه: اليوم أو غدا ستلحق بي، أنت قلت مثل هذا أكثر من مرة...
***
نحيبه يرتفع.. دموعه تسحُّ بسخاء.. يهرع إلى الخزانة ويحتضن كل أشيائها، وهو يبكي ويضحك ويردد: لماذا تعجلتِ الرحيل، لماذا، لماذا؟ فتهمس بأذنه: ألم تقل بأننا سنرحل مثل القمر في نهايات عمره؟ البارحة كان يطل علينا من النافذة الغربية وهو يختفي أمام سوط الشمس اللاهب! هو الآن وحيد خلف التلال، وأنت...!
***
غفا.. نام.. لا أحد يدري كيف نام.. كالقمر الذي لم يعد يراقبه بات وحيداً على كف الصمت..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش