الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جاسيندا

رمزي الغزوي

الأحد 24 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 1974

لو أن الجوائز غير مسيسة، أو غير ملتبسة تنحاز إلى أهواء مانحيها أحياناً؛ لحق لكل من يرى الخير والجمال، أن يتوقع جائزة نوبل للسلام لرئيسة الوزراء النيوزلندية جاسيندا أرديرن، فهي نجمة متألقة شقت عتم عالمنا المسّود بلوثة الإرهاب والطغيان والظلم.
منذ انحياز هذه الشابة إلى أمومتها، وحملها طفلتها في اجتماع الهئية العمومية للامم المتحدة أدرك العالم أنه إزاء قائد يساير عفويته، ولا يلوي عنق فطرته. فهذا الفعل الشفيف ينبئ أن رقي الشعوب ينبلج حينما ينبري قائد من طينة الناس ويعلي شأن فطرتهم السليمة. وهذا ما عاشته نيوزلندا في محنتها بمجزرة المسجدين.
عرفت أن بعضاً من الأصدقاء العرب يفكرون بالتوجه لطلب رسمي للهجرة إلى نيوزيلندا. ليس لأن هذه الجزر المبثوثة في جنوب المحيط الهادئ خضراء، تنعم بالوفرة والسخاء والحليب والعسل، بل لأنها تتبنى ثقافة عظيمة يفتقدها عالمنا الآن. الإيمان بحق الحياة والاختلاف، والسعي الحثيث نحو العيش المبني على الخيرية.
من قرأ دموع السيدة عند أول رد فعل لها على الجريمة يدرك ما معنى أن تكون زعيما لشعب مختلف الملل والأعراق والأديان. ويدرك ما عليك أن تفعله، كي تكون واحدا في كثيرة، وكثيرة في واحد. وهذا ما حققته بامتياز هذه السيدة.
لو أن ثمة أكاديمة عالمية تعنى بصناعة القادة للشعوب؛ لاقترحت أن تدرّس سلسلة أفعالها وإدارتها لتلك الأزمة على كل من يروم أن يحقق الخيرية والتقدم لشعبه وقيادته نحو الرقي الإنساني. فالمنعطفات الصعبة تصنع المواقف الخالدة. وهذا ما كان لهذه السيدة العظيمة أيضاً.
لا أحد انتبه، ولا أحد يريد أن ينتبه أصلاً، أن ديانة السيدة هي (اللاأدرية)، وهي توجه فلسفي يؤمن بأن القيم الحقيقية للقضايا الدينية غير محددة لدى معتنقها، أي أن إيمانها يخصها وحدها، وهو معلق في مثل تلك القضايا. لا أحد انتبه إلى ديانتها، ولكننا جميعاً انتبهنا، وفرحنا حينما كانت مسلمة أكثر من المسلمين، وعرفنا أنهم كانت ستكون هندوسية أكثر من الهندوس، لو أصابهم مكروه. فعظمة القائد حينما يكون إنساناً.  
في خطابها البرلماني أعلنت أنها لن تذكر اسم مجرم المسجدين، ولن تمنحه شرف الشهرة التي قد يكون سعى إليها بفعلته، وأنها لن تسمح بأن يطلع على أي رد فعل على فعلته، بل وحثتنا أن نذكر ونتذكر أسماء الضحايا فقط.
نستجيب بكل محبة لهذا الطلب، ونذكر العالم أيضاً، أن الانحياز إلى حق الحياة، وحق الاختلاف، والعيش المشترك، هو الذي سيجعل اسم جاسيندا علامة نابضة في تاريخنا الإنساني. فسلام عليك أيتها الأم الكبيرة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش