الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الواحدة والخمسين للنَّصر

تم نشره في الخميس 21 آذار / مارس 2019. 12:19 صباحاً
معركة الكرامة 21/3/1968م

أ. د. خالد الكركي
إضاءة
وقدْ كانَ فوتُ الموت سهلاً فردّهُ   
إليهِ الحفاظ المُرُّ والخلُقُ الوَعْرُ
(أبو تمّام)
كنتُ أودّ الكتابة عن أحد نصوص المتنبي، وأخصّ قصيدته في «الحدث الحمراء»، لكنني آثرتُ قصيدة أبي تمام (حبيب بن أوس الطائي) في الشهيد محمد بن حميد الطائي، قائد الجيش العباسي، لأنها أعانتني في تفسير أسرار صمودنا في الكرامة عام 1968م وانتصارنا العظيم على جيش الأعداء الصهاينة... فقد حاولت تأويل الروح التي طافت في فضاء المعركة، وقرأت تحليلات العسكريين والسياسيين، وظلّ السبب مغلقاً، مع أن وضوح رؤية المقاتلين المؤمنين، وروح الثأر والتحدّي يُفسّران شيئاً من ذلك، لكن «إرادة» خاصة حسمت الأمر ورجّحت النصر إلى جانب قواتنا... الذي قاله أبو تمام في محمد بن حميد الطائي هو التأويل الذي اعتمدته في محاضرة لي منذ أكثر من أربع عشرة سنة: وعنوانها: «الكرامة: درسٌ في الخلق الوعْر».
 هذا التفسير «الخلقُ الوعْر» يشير إلى حالة فردية في القصيدة، لكنها كانت في الكرامة حالة عنفوان إنساني جماعي إيماني لا يقبل التراجع، فاستحق أهل الكرامة هذا.
يقول أبو تمام في صاحبه الذي أطْلع باستشهاده ورد القصيدة، وروح الشهادة، وجمر الصبر، حتى صارت القصيدة، كما يقول الدكتور زكي المحاسني:
«إنّها قصيدة الجندي المجهول الذي قتل مجاهداً في سهوب خراسان...، يتنازع شرفها ألوف من الأبطال الشهداء:
فتًى ماتَ بين الطعنِ والضربِ ميتةً
    تقومُ مقامَ النصرِ إذْ فاتهَ النصرُ
وقد كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فردَّهُ
إليه الحِفاظُ المرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
ونفسٌ تعافُ العارَ حتى كأنَّه
هو الكفرُ يومَ الروعِ أوْ دونَه الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلَه
وقال لها منْ تحت أخمُصِكِ الحشرُ

هذه هي الغاية من القصيدة هنا، وكم حدثتني النفس أن أخرج إلى «الحدث الحمراء» فأصغي إلى المتنبي في سيف الدولة:
وقفْتَ وما في الموتِ شكّ لواقفٍ
    كأنّك في جفنِ الرَّدى وهو نائِمُ

أو في نشيده الكبير:
تمرست بالآفات حتى تركتها
    تقول: أمات الموتُ أم ذُعِر الذّعرُ

أو مطلع أبي تمام في بائيته:»السّيف أصدقُ...»
ومن هنا نراكم أول الوطن وأول الدم، وأوّل النشيد، فاسقوا العطاش إلى القدس تكرّما...
 فالزمن كلُّه طاش من الظما
ذاك نهاركم، وأنتم تقرأون على الشجر والحجر سورة الدم والحديد...
ذاك نهار الحسين وزيد ومشهور وكاسب وقاسم وعلاوي... والمقاتلين من شرفات الجربا إلى جبال السلط وشعاب الأغوار، ذاك أنتم، جبال من الغضب تشير إلى الطريق نحو القدس، وتمنح للحرب شرعيتها وللأمة فضاء جديداً من حرب لا تشبهها حرب يوم يعتدل الميزان لكم... للفئة المؤمنة القليلة التي ستهز الدنيا إعجاباً بصمودها وقدرتها على المزج بين الثأر والغضب والسلاح...
 كنا فتية في الجامعة، وعجِلنا إلى ديوان النابغة نقرأ نشيده في أهل هذه الأرض:
وثقتُ لهم بالنصرِ، إذ قيلَ قد غزتْ
        كتائبُ منْ «غسّان»، غيرُ أشائبِ
إذا ما غزوا بالجيشِ، حلّقَ فوقهمْ
عَصائبُ طَيرٍ، تَهتَدي بعَصائبِ
وحين انجلى غبار النقع كانت كل شجرة في الدروب تنحني لنعوشكم وأعلامكم، وكلّ راية في الوطن تعلن أنها رايتكم وقد حضرت معكم الكرامة، وكل لواء في فضاء الأمة يرفرف على جنازاتكم الطاهرة.
يسألونك عن النهر،،،
هل يدري نهر الأردن أن الفتية صاروا في سنِّ الخمسين!!
خرجوا أمس...
قرأوا وِرداً عن الشجر الملتف على كفيك وساروا...
صلّوا الجمعة في جامع ابن الجرّاح،
 وساروا...
قرأوا الفاتحة لروح جعفر الطيّار
وساروا...
كان الليل طويلاً....
 صعدوا الجبل إلى عيرا
كان لقاءً مع من صبروا معهم حين امْتزج المدفع بالروح، وامتزجا بقذائفهم تنصبّ جحيماً فوق الأعداء...
... ساروا ...
مؤتة غايتهم...
كانت أعراس/ وكان حديث/ ثم صلاة... ودعاء
 لم يدخلوا في عتمة السؤال
كانوا يطلون على الأردن من ذراه على زمانه الذي لا بدّ يستعاد.
كانوا له ودمهم له أو للقدس، أو دمشق أو بغداد.
أيّها الفتية الطالعون في الضّحى، والنائمون على مقربة من الدم والنهر،
زمانكم مأوى أرواحنا يوم يضيق بنا الزمان، بل حين نضيق به هو ذرعاً...
ها نحن عند نبع الرضا الممتد من أكفِّكم،
«فما نفد الشراب ولا روينا».
نصعد في آذار إلى قلاعنا، ونهبط إلى السهول لزيارتكم، والهجير صادٍ، وأنتم «حلم الرمالِ الهاجعاتِ على الظما»، نرتوي صفواً، ويشرب العدو كدراً وطيناً. فالسلام عليكم، على دم سكبه جيشنا نهار الكرامة، وسلام على «الأردني العربي» سيّد الحرب والسلام، صاحب الخلق الوعر إن «هبّت النار والبارود غنّى»، في أزمنة مضمّخة بالدم والغضب والجمر واللهيب.
كنتم تنشدون مساء تلك الليلة ما كنا نتعلّمه بعد ذلك في الجامعة:
 ولا تَحْسَبَنّ المَجْدَ زِقّاً وقَيْنَةً
فما المَجدُ إلاّ السّيفُ والفتكةُ البِكرُ
 وترْكُكَ في الدّنْيا دَوِيّاً كأنّما   
تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ
نحن فقط أصحاب «اللاءات» بعد أن رقّت عند آخرين حتى صارت نعماً...
 وكيف تتغيّر وأنتم تصعدون كما ارتقى فراس قبل معركتكم بشهور،،
يا بنيّ، يسألونك عن الكرامة فقل لهم إنها قناديل الزمن القومي ضد العتمة والنكسة وسائر حجج المنكسرين والمحبطين، إنها الزمان الذي لا خوف فيه ولا تطبيع، وفلسطين لأمتنا من النهر إلى البحر...
 وفي نهاية الحسم هي لنا، وهم غاضبون مطرودون.
هذا زمان آخر،
وآهٍ من كثرة العيوب وقلّة المصلحين،
آهٍ من حروبنا الأهلية والداخلية، ونحن ننادي على الأمة صباح مساء:
ولَوْ أَنَّ قَوْمِي أَنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ
    نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرَّتِ

أيّها المقاتل الأردني العربي،
سأمرّ بضريحك، وأقرأ، بعد الفاتحة:
وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ
    فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ

    ونعرف أن ورحك تورق بالندى وتورق باللظى، وأن غناءك في باب الواد وباب الكرامة وباب القلعة واحد:
«اضرب رصاص خلّي رصَاصك صَايِب...»
وحين يضيق الزمان ذرعاً بصمودنا، نضيق ذرعاً به، لأنكم تعرفون أن نداءنا إلى جعفر سيصعد إلى مؤتة حتى ننادي:
يا أبا الأحرار أنجدنا،
فنسمع في هدير الرعد:
ها قد أجاب الساعدان
 وتظل مؤتة...
أرضنا عربية في الوجه والدّم واللسان.
نعم نحن هنا،
ولو كنا وحدنا،
نحن هنا، في الطريق إلى القدس أو إلى السماء!
ولنا الأقصى، والمشهد الإلهي الذي رآه شهداؤنا «قاب قوسين أو أدنى»
فيا بني/ يا بن الشهيد/ أي شهيد ارتقى
«الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول»
فاسرج جواد أبيك ضد هذا الزمان الرّخو واتبع خيل اليرموك كما فعل عبدالله ابن جعفر، واجعل طرفك «يشير إليها من بعيد فتفهم»
يا بني،،،
«إن الذين لهم وطن يملكون دماً
ليعيشوا به فوقه
أو يموتوا به فوقه
إنما دمكُم حين أوطانكم تستباح حرامٌ عليكم».
فانطلق عبر السهول والجبال، فأقربها «للغاية الموحش الوعر»، ودمك يعرف مسراه نحو القدس كما عرفه في حطين وعين جالوت وباب الواد والكرامة...
-    نحن صخرة الوادي....
-    نحن الذين جابوا الصخر بالواد...
-    نحن من بنى عاصمة مثل إرم ذات العماد
-    نحن الذين «لا عيب فينا غير أن سيوفنا... بهن فلولٌ من قراع الكتائبِ»
-    نحن أهل البلقاء والكرك ومعان والسلط وإربد والطفيلة...هنا
 جمر ثورة العرب الكبرى ونارها التي امتدت برداً وسلاماً حتى دمشق...
هل رأيتم ورد دمنا في آذار في شعاب السلط والكرامة!!
هل سمعتم نداء أمهاتنا على المقاتلين الأشداء: المنية ولا الدنية!!!
أيّها الأردني:
« وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ»
« وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ»
« وَالضُّحَى  وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى  مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى  وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى».
وقد «جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ»،
وتلك رؤى وطن تنبت في حقول الدم والغضب،
 ولغة نبتت أوّل مرة في صحراء الربع الخالي فدّب فيه الخير والكرم والرّسالة...
-    وإنها أزمان من الشهادة والنجيع لم توقفها حربٌ ولا ردّتها نكسة....
 وظلت موزعة النظر بين بدر، ومؤتة، واليرموك حتى أطلّ الغافقي على سهول باريس...
مساء الحادي والعشرين من آذار تعب النهر قليلاً، طرد الغزاة ونام... وقرّر أن يسير غداً في جنازات الشهداء...
« وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا
فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا
 فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا
.......
« وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ، وَطُورِ سِينِينَ
وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ»،
.......
« وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
.......
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى
.......
« وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ...»،
.......
« وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا  حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ»
« وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى...».
وطنٌ أردني عربي واحد كان يستعيد كلّ قَسَمٍ في القرآن الكريم بأننا سائرون جميعاً إلى الحرب ومنتصرون».
.......
كانوا ينسجون للرايات كلاماً من دفاتر الحزن والشهادة والفرح؛
في أوّله رسم في كتاب شهداء الكرامة؛
أخبرنا، فأنت حيٌّ ترزق عند الله، ما معنى الفرح!!
فيا أيّها الشهداء؛
يا أهل الكرامة الذين قاتلوا وساندوا جنوداً ومواطنين،
هذه الكتابة لكم وعنكم؛ عن أهل الخلق الكريم كما عرفكم التاريخ، وأهل الخلق «الوعر» كما عرفكم التاريخ نفسه حين تقبلون على حرب العدو وهزيمته وأنتم تنشدون:
«أسْودْ صباح العِدا يوم عليهم شِيْن
    وْغبَار يعمِي ضعيفَ القلبْ عن حالُه»

إنها الذكرى الواحدة والخمسون لدم يزهر في الذكرى نفسها كلّ آذار، ويلتف الأرجوان في الغور والسفوح وأحفادكم حوله يقرأون في كتاب الله:
«وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «...
لم تذهب صرختنا في واد...
وقد حملتها مآذن القدس وعمّان إلى السماء ضارعة غاضبة،
وكنّا، كما أرادنا رسول الله أن نكون،
وكانوا، كما أرادهم الوهم بالسلب والغزو أن يكونوا،
فإذا بنا بين صَباح ومساء في غبار اليرموك وحطين وعين جالوت فوق الأرض نفسها؛
وإذا الهجير يصير صَباً، والغبار عباءةً، وأشعة الضحى ريشاً خضّبته الدماء الأرجوان تحمله نوراً إلى أمّة لا بدّ أن تنهض نحو فلسطين.
ألم يقُل الجواهري:
يا جِلقَ الشام إنّا خِلْقَةٌ عجَبٌ
    لم يدرِ ما سرها إلاّ الذي خَلَقا
‏‏
أبدأ بسلام حمُلته وشرفني أهله بذلك، كان ذاك وأنا أخوض في الكتب بحثاً عن الاستشهاديين وأصحاب الخلق الوعر، والذين على قدر عزمهم «تأتي العزائم»...
والذين خيولهم «رؤًى على عتبات الله تزدحم»...
إنهم الجبال الشمُّ والنجوم الزهر، والسيوف القواطع، والذين ما دار الخوف في أرواحهم...
 لذلك كان لنا تاريخ..
 أنتم تعرفون من هم، فاحملوا لهم السلام منّا،
نحن «القعد» الذين بقينا بعدكم عند الأطلال، «لا خيل لنا نهديها ولا مال» أنتم السابقون: حمزة، وجعفر، والحسين، وزيد، وابن رواحة؛ ومنهم النعمان بن مقرن وأشقاؤه، وعبدالرحمن الغافقي، ومحمد الطائي، وأسد بن الفرات، والإمام ابن النّحاس، وسليمان الحلبي، وعيسى بن عمر، وموسى بن أبي الغسّان، وسليمان الجوسقي، ومحمد عبيد، ويوسف العظمة، وعمر المختار، وكايد المفلح، وعبدالقادر الحسيني، وعبدالمنعم رياض... وآلاف من أهل الصّبر والعزيمة يمتدون من الأوراس إلى قاسيون، ومن بوابة فاطمة إلى بوابة صلاح الدين، ومن باب الواد إلى قلعة الكرك.
تريدون المزيد من الأسماء... اقرأوا الآتي:
محمد الحنيطي، وبلال فحْص، ودلال المغربي، وابتسام حرب، وعبدالرحيم محمود، ويحيى عيّاش، وأحمد جرّار، وموفق السلطي، وفراس العجلوني، ومعاذ الكساسبة، وراشد الزيود، وسائد المعايطة.
ولكم من شقيقين قائلاً في فتح بلاد فارس: سلام فيه دلالات خاصة، إنهما القعقاع بن عمر/ قائد الكتيبة الخرساء، وعاصم بن عمرو/ قائد كتيبة الأهوال..
كان معهم طلحة بن خويلد الأسدي، وعمرو بن معد يكرب بألف فارس، وكان هناك أبو محجن الثقفي، وهلال بن علقمة، والقارئ سعيد بن عبيد الذي خطب في الجيش عشيَّة استشهاده:
«إنّا ملاقو العدو غداً، وإنّا مستشهدون، فلا يُغسلنّ عنا دمٌ، ولا نُكفّن إلاّ في ثوبٍ كان علينا».
لكم السلام من الصحابي أبي أيوب الأنصاري، ذاك الغافي عند سور عاصمة بني عثمان، بعد أن أوغل ميتاً في أرض الأعداء وأوصى أن يدفن حيث يقف جواده.
لكن الحكاية لم تنته هنا،
فيوم وداع شهداء الجيش في الكرامة كنّا في الجنازة... وفيها قال صديق من الجامعة إن «زهرة المدائن» الجديدة للرحابنة وفيروز تعرض قبل «الفيلم» في إحدى دور السينما بشارع بسمان...
 فتحول جمعنا إلى هناك،
وعند «الغضب الساطع آتٍ» لم يبق غضب في الدنيا إلاّ وتجمع في القاعة والشارع...
كانت «القدس قريبة جداً، وموكب الشهداء الذين ودّعناهم مهيب مثل صحيفة في كف ابن الوليد، أو عمورية يوم نضجت جلود جنودنا لفتحها «قبل نُضجِ التين والعنبِ».
لهذا نسأل: هل اكتمل فتح لنا بغير القدس حرّة ومهيبة...
ألم يلبسها بلال بأذانه روح الإسلام كلّه يوم طلب القادة في اجتماعهم بابن الخطاب فيها أن يؤذن بلال وهو الذي ما صعد للأذان منذ وفاة الرسول عليه السلام!!
ألم يكتمل فتح بني أيوب لبلادنا المحتلة يوم صعد القاضي محيي الدين بن الزّكي يُرعد بخطبة الجمعة الأولى في الأقصى بعد طرد الفرنجة منها.
الدروب عبر النهر ما زالت حاضرة، والجيوش حاضرة، والكرامة خطوة عظيمة في درب طويل يسري عبرها دمنا إلى القدس ألف مرّة حتى تعود...
أعيدُ القول: لم تنته الحكاية بعد، والأردنيون الذين حضروا فتح عكا بكل ما لهم من جند وعزيمة، هم أنفسهم الذين استكملوا نشوء دولتهم بالدفاع عن فلسطين في باب الواد، واللطرون يوم كان الزمان شحيحاً، والاستعمار فارداً ظلمه وعنجهيته... ولكنهم انتصروا باسم الله وظلّت القدس حرّةٌ وحاضرة...
إنها رحلة عذبة الشهادة، مرّة الانتظار، عالية الرايات، وهذه صور من مقاتلي الكرامة نستعيدها ونقول لكلٍّ منهم:
تسعون ألفاً لعموريّة اتّقدُوا
    وللمنجّمِ قالوا: إننا الشهبُ

نعم، هم الشهُب؛ جريحهم (العريف عبد ربه إبراهيم)
-    خاض بدباباته معركة مشرّفة،
-    وأصيب كتفه وكوعه الأيمن،
-    ألقى بنفسه فوق رفيقه الجريح كي يحميه من قصف العدو،
-    حمله رفيقاه إلى بيت شعر حيث رجل «طاعن في السن وزوجته الشيخة».
-    حضر شاب مدني وحمله مسافة لا تقل عن خمسة كيلو مترات ليلقى رفاقه.
هذا بعض الحال، وهذا ما قصدت إليه بمصطلح «الخلق الوعر»... كما ثبت الجندي الشهيد محمود علي حسين الحراوية الذي -كما يقول القائد كاسب صفوق-:
«وقعت أوّل إصابات العدو على يد الجندي الشهيد محمود الحراوية، الذي ثبتَ في خندقه، وأطلق جميع قنابل الانيرجا التي بحوزته، واستطاع أن يدمّر دبابتين للعدو... قبل أن تتقدم دبابة ثالثة وتمرّ فوق جسمه الطاهر وهو يشدو: الله أكبر ولله الحمد».
-    ناصر محمد المطلق/ شهيد، سبقه إلى الشهادة في القدس أبوه، وتبعه ابن عمّه، وكانت روحه مشدودة أبداً إلى القدس...
كانت معركة مدفعية، ومقبرة لدبابات العدو وصلفه،
وكان النشيد حاضراً والنداء لثلاثة: خالد بن الوليد، وصلاح الدين، ولجندي مجهول آثر ألاّ نعرفَ اسمه طيّب الله ثراهم جميعاً.
الروايات ملحمية، وزيد بن شاكر، ومشهور حديثة، وكاسب صفوق، وغازي عربيات، وفاضل علي، وبهجت المحيسن، خير من تحدّث، لكن حديث جنودهم كان أجمل صور استعادة المعركة والانتصار.
لهم الله والمجد، وجُلّهم أحياء عند ربهم يرزقون، لمحمد هويمل الزبن، ومحمد علي البوريني، وراتب البطاينة، ويوسف حسن عبدالرحمن، وعارف الشخشير،... ، وخضر شكري وسالم الخصاونة ولمحمد حنيان التحية التي تسجّل بطولته وشموخ زملائه.
الحديث طويل، وله شجون كثيرة، لكنني أكتب نصّاً لا محاضرة، والكرامة هي كتابٌ عن الشهداء في بيوت الأردنيين يتوافدون على صرح الشهيد منذ ذلك الزمان قبل إحدى وخمسين سنة حتى ليلة القلعة العظيمة...
إنها جمر الشهادة ونارها:
ما ضرّ مُوقِدُها والخلدُ منزلُه
    إذا رمى نفسَه في نارِها حطبَا

فيا أهل الكرامة،
اسقوا العطاش تكرّما...
ألم تكونوا -كما قيل لنا في الجامعات-:
لبسوا القلوبَ على الدروعِ كأنهم
    يتهافتونَ على ذَهَابِ الأنفُسِ
أو
-    متسرّعِين إلى الحتوفِ كأنما   
بين الحتوفِ وبينَهم أرحَامُ

    أو
ولمّا رأيت الصبْح قد سَلَّ سيفَهُ
    وولّى انِهْزاماً ليلُهُ وكواكِبهُ

  أو
ولاحَ احمرارٌ قلتُ: قد ذُبِح الدُّجى
    وهذا دمٌ قد ضمّخ الأرضَ ساكِبهُ

    فهنيئاً لثرى الكرامة، وللأردن أنكم أبناؤنا.
هذا دمهم...
لذلك نطرح السؤال: ما البطولة!!
وما هو منطق الشهادة التي تعيد التوازن عندما تميد الأرض تحت الظلم والاحتلال!
وكيف يغيب الخوف والموت!! أليس الجواب لأن البطولة خلودٌ في الدنيا، والشهادة خلود في الآخرة.. والشهداء «أحياء عند ربّهم يُرزقون»!!
هم الذين
يمضونَ، قد كسرُوا الجفونَ، إلى الوغى   
متبسّمينَ وفيهم استِبْشَارُ

والشهيد مالك في وعيه روح الثائر، ومالك في حلمه من رؤية العاشق..
إنّنا نتحدث عن منطق الشهادة والبطولة لا عن الموت.
إنه إذن هذا المزيج من الإيمان والثورة، والوعي، والحلم، والخلق...
أتذكرون أبا طلحة الذي دافع يوم أحد عن النبي عليه السلام، وقد كان مجوّباً على النبي بحجفة له، وكان رامياً شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثةً، وكان الرجل يمرّ معه بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة: قال: ويشرف النبي عليه السلام ينظر إلي القوم فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرِك»...
هذه الروح الممتدة من أُحْد إلى زماننا هنا، وهذا هو نموذج الذين تكاملت فيهم صور البطولة والحرب والشهادة في ظل إيمان عظيم.
وأنتم –كما عرفتكم الحياة- كلّ فتى منكم كان «عذْب الروح» وكان صابراً، وحين تقدم إلى الحرب «استشهد هو والصّبرُ»، وأي واحد منكم نقرأ سيرته في صرح الشهيد:
وما ماتَ حتى ماتَ مَضرِبُ سيفهِ
    مِنَ الضَّرْبِ واعْتَلَّتْ عليهِ القَنا السُّمْرُ
لك الله يا أبا تمام... بين هذه القصيدة والبائية عنفوان الأمة، وشرف فتيتها الذين ينتجعون الشهادة في منابتها، حتى ودّعت صاحبك:
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقَ روضةٌ
    غداةَ ثوى إلا اشتهتْ أنَّها قبرُ

-    أما آن لنا أن نصدر ملحمة الشهداء من  أهل هذا الوطن في سائر صور الشعر والمسرح والقصّ والرسم والغناء...!
أما آن لنا أن يكون لهم ديوان فيه سائر ما غنّاهم به العرب والأردنيون...
«هم أحياءٌ عند ربّهم يرزقون»، ونحن الذين نحتاجهم... آمّا هم فقد قدّموا ما استطاعوا إليه سبيل من دمٍ، وحربٍ، وصبرٍ حتى حضر أبو تمام:
عليك سَلامُ اللهِ وَقْفاً فإنَّني
    رَأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ له عُمْرُ
بل لكم أعماركم ومجدكم وحضوركم... فأنتم لم تدخلوا ساعة واحدة في الغياب.
إذا كان أبو تمام قد ذهب مع الحرب إلى مداها في «بائية» و»رائية» وجعل الرثاء نشيداً للموت الجميل والنصر المبين، فإن جميل صدقي الزهاوي قد ارتقى في قصيدته «النائحة» في شهداء ثورة العرب الكبرى عام 1915 في دمشق وعاليه، إلى ذروة جديدة:
على كل عود صاحبٌ وخليـلُ
    وفي كل بيت رنّةٌ وعويــلُ
سرت روحُهم تطوي السماءَ لرّبها
وما غيرُ ضوء الفرقدينِ دليلُ

وإن بكائي اليومَ لو نفع البُكا
عليهم، وفي مستقبلي، سيطولُ
أبعد بني قومي أنهنه عبرتي
وأمنعها، إنّي إذن لبخيلُ
لست بصدد توظيف القصيدة كلّها، لكنّه التداعي الحرّ يأخذني إلى شيخ من شيوخ الشهداء، عمر المختار، ورائعة شوقي فيه:
رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِّمالِ لِواءَ
    يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ
تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

إِنَّ البُطولَةَ أَن تَموتَ مِن الظَّما
لَيسَ البُطولَةُ أَن تَعُبَّ الماءَ
تِسعونَ لَو رَكِبَت مَناكِبَ شاهِقٍ
لَتَرَجَّلَت هَضَباتُهُ إِعياءَ

منذ أن هبّ أوائلكم في فجر ذاك الصباح:
والشرق من خلف الجبال غمامةٌ
    حمراء ترعش في وميضٍ لامحِ
هبَّ الكميُّ على النفير ِالصَّادحِ
مهلاً! فديتُكَ، ما الصباحُ بواضحِ
الخائضونَ الفَجرَ بحرَ مصارعٍ
السابحون على السَّعيرِ اللافحِ
الناهضون على السيوفِ وتَحتها
شتَّى جَماجم في الترابِ طرائحِ
يا «يوسف» العظمات غرْسُكَ لم يضِعْ
وجناه أخلد من نتاج قرائح

قُمْ لحظةً وانظر دمشق وقل لها
عاد الكميُّ مع النفير الصادحِ
هذا صوت علي محمود طه في يوسف العظمة، وهو حضور باهر له ليبارك لكم بالشهادة.
لقد قبضتم على التاريخ وسرتم به إلى الحرب المشروعة حتى يعرف الطريق الصحيحة،
وقد قبضتم على انتقام الجغرافية فأعدتم صياغة التضاريس والأنواء من أجل الكرامة،
كنتم قناديلَ الضحى،
والعطاشَ إلى الشهادة،
وكان موتكم نشيد وطن يعرف معنى التحدي
وكان البرق لهيب معركتكم الخالدة
كنتم عناق النسر والتاريخ
وعناق الريح للمطر
لقد جنّت الدنيا يومها، وحضر خالد «السيف والأثر»
فقولوا لآذار يمدّ جناحيه بين باب الواد والكرامة،
وقولوا لجذور الشمس أن تنزرع في الأرض ونحن نقاتل العدو الباغي... وسوف ننتصر
ذاك هو الأردن صباحَ النصر:
دانت له الدّنيا فأصبح جالساً
    وأيامُها فيما يريدُ قيامُ

أكاد أصل إلى تفسير قريب لمعنى الخلق الوعر/ إنه الرّفض حين يبلغ الضيق مداه في النفس الإنسانية إذا صودرت حريته أو انقطع رزقه أو نُكب في حاله... ألم يقل أبو الطّيب:
ضاق ذرعاً بأن أضيقَ به ذرعاً
    زمانِي واستكرمتنِي الكِرَامُ

آنذاك يقول فتًى منكم:
ولو بَرَزَ الزّمانُ إليّ شَخصاً
    لخَضّبَ شعرَ مَفرِقِهِ حُسامي

من يعيد لنا الزمان
كان قادتنا هنا، وكلّ منهم:
يَهُزُّ الجَيْشُ حَولَكَ جَانِبَيْهِ
        كَمَا نَفَضَتْ جَنَاحَيْهَا العُقَابُ
طَلَبْتَهُمُ عَلى الأمْوَاهِ حَتى
تَخَوّفَ أنْ تُفَتّشَهُ السّحَابُ
آنذاك ولّى العدو، وصوت منا ينشد:
وَضاقَتِ الأرْضُ حتى كانَ هارِبُهمْ
    إذا رَأى غَيرَ شيءٍ ظَنّهُ رَجُلا

آنذاك سألنا:
«أيحتاج دمٌ بهذا الوضوح إلى معجم طبقي لكي يفهمه»!!!
خير المطالع تسليم على الشهداء فسّلموا عليهم،
فيا أيها الكرام النائمون في أرضهم، وينهضون إن سمعوا أن ضراً قد مس بلدهم...
أو أصاب أبناء أعمامنا وإخواننا العرب والمظلومين في العالم كلّه...
أيّها الناس...
هذه صورة الصّبر الأردني،
 صورة كريمة منذ حصار شعب هاشم، ومنذ أزمان بدرٍ ومؤتة واليرموك.
هل تحسّون بمثار النقع فوق رؤوسنا... وكيف لا تكون روح الكرامة العربية حاضرة الآن،
وروح تشرين والجولان
وروح القدس وباب الواد،
ودم كايد المفلح ومحمد الحنيطي على ثرى فلسطين.
هذا نهار للدولة الأردنية/ حاضنة ثورة العرب الكبرى،
ونهار للعسكرية الأردنية العالية في الحرب والسلم، يقولون لنا..
إذا جاء هذا الماء من جاء غازياً   
فمن دمِه لا الماء يرتدُّ شارِبا
فانظر كيف تلمع السيوف وتشتجر الرماح والنصر من الله سبحانه وتعالى قريب.
لكم المجد في هذا الوطن الوارف بالصّبر والنّصر والكرامة، الأردن المؤتلق في إنجازاته وعروبته وما تحمّل من موجعات القلب ما تهاب الجبال الشمّ، حتى جعلوا قواعد دولتهم القومية راسخة، وما تخلّوا عن زمان دقوا فيه أبواب الدنيا من دمشق إلى الأندلس وهم يخوضون معارك الفتح الأول، والثاني، وصولاً إلى زمن الكرامة العزيز بأهله وقادته وشهدائه،،
أمدّ السلام إلى أمهات الشهداء،
إلى سيّدة نادت يوم صعود فتاها شهيداً:
«سلاماتِ يا حبابْ من الغيبات كيف أنتم!!
وِشْ نبّت الشّيب وسْط الرَّاسِ غير أنتم!!
وقد عاد لها رجع الصدى بصوت سيدة زارت مكان المعركة، قرأت الفاتحة عند الصّرح، غالبها الدّمع، وغامت عيناها، فرأتهم واحداً، هو ابنها، تذكرت عليا الضمور وابنيها في معركة الكرك عام 1834م ونادت على الأمهات أن يلحقن بها فقد توجهت معهنّ إلى «عي» للسلام على والدة الشهيد معاذ الكساسبة،،
الأمهات أعلى من الكتابة، وهنّ من يكتبن رثاء الشهداء: (سبْل عيونه)، وهن من يعلّمن الأبناء ما تعلّمنه من الوطن، هن سيّدات الوقوف عند صرح الشهيد لعلهم يطلعون من رُخامة، ...ثم يستدرن عائدات لتجهيز جندي آخر، فالزمن موحش، والعدو غادرٌ ومغتصب، والذئاب تحول حول الإقليم كلّه، ونحن باسم الله، ودفاعاً عن أرضنا وأطفالنا نقاتل، لنا شرف النصر، ولنا شرف الشهادة، ولو غضب المرجفون والخائفون,
تحية أخيرة للقوات المسلحة بعد الآمهات،،،
وقوفاً أيّها الأردنيون،
وقوفاً لأرواح شهداء الكرامة الذين صعدوا من هذا الواد إلى هذه القمم ثم إلى السماء،
وتحية للقوات المسلحة الأردنية والسلام على شهداء الوطن، وسلام للقيادة، وروح ثورة العرب، وللأردنيين القابضين على جمر الصبر وعيونهم على فلسطين.
وأهل الشهداء ألف سلام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش