الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الدين من الإجرام براء

تم نشره في الثلاثاء 19 آذار / مارس 2019. 01:00 صباحاً
أ. د. م. منذر حدادين

عجبت لتصريح رجل دين مسلم مرموق يقول فيه إن المجزرة التي ارتكبها أسترالي في «كنيسة المسيح» أو «Christchurch» في نيوزيلاندة تعبير عن حرب صليبية، مسترجعاً حرب الفرنجة ضد بلادنا في نهاية القرن الحادي عشر واستمرت إلى نهاية القرن الثالث عشر، وهي ما اصطلح على الإشارة إليها خطأ بالحروب الصليبية. واقتران تلك الغزوات الغربية بالصليب لإن الغزاة وضعوا على لباسهم الحربي إشارة الصليب من جهة، ولأن بدء الغزو كان بنداء لمسيحيي أوروبا من البابا أوربان الثاني من أجل «الاستيلاء على الأماكن المقدسة المسيحية» في بلادنا.
ومرد عجبي هو اختلاف الأمس عن اليوم. ففي حين كانت الكنيسة اللاتينية أمساً تصادق على اختيار الأباطرة والحكام في أراضي سيادتها ويقوم البابا بتتويج الحاكم أو الإمبراطور نرى أن نفس الكنيسة لا تقترب من دور كهذا اليوم. وفي حين كان الحكم أمساً باسم الدين نرى اليوم حكومات دول الغرب لا صلة لها بالدين، فقد تم فصل الدين عن الدولة بعد حركات الإصلاح الديني في أوروبا بفترة. وهل يعلم رجل الدين المسلم المشار إليه أن طلاب المدارس الحكومية في الولايات المتحدة مثلاً ممنوعون اليوم من إقامة الصلاة في مدارسهم؟
ولنبق في زمن الأمس لنسأل: هل للصليب علاقة بحملة الفرنجة الرابعة التي انحرفت عن هدفها في فلسطين فهاجم محاربوها مدينة القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في 8 نيسان 1204 وأكملوا احتلال معظمها في خمسة أيام يوم 13 نيسان ليغنموا خيراتها ويسبوا نساءها ويحكموها حتى العام  1261  لحساب دولة البندقية. وما تزال هذه الغزوة الغربية لعاصمة الإمبراطورية الشرقية مصدراً للجفاء بين البابوية والبطريركية المسكونية للروم الأرثوذكس في استانبول حتى يومنا هذا. فهل كانت حروب الفرنجة  (الصليبية) ضد الإسلام والمسلمين حصراً كما ظن رجل الدين المرموق؟ فلو كانت كذلك فكيف يحتل الفرنجة القسطنطينية ويحكمونها من جهة؟ وكيف يصطف مسيحيو الشرق العربي خلف قياداتهم من المسلمين في حروبهم ضد الفرنجة من جهة أخرى؟
ونواصل متابعة الحروب الصليبية المسماة Crusades بالأعجمية لنلاحظ أنه بعد انكسار الفرنجة النهائي في بلادنا على يد السلطان المملوكي قلاوون في حصار عكا وسقوطها دأب البابوات على استمرار دفع غزوات صليبية على شمال أوروبا وعلى شبه جزيرة أيبيريا وعلى صربيا ولم يكن سكان تلك البلاد يدينون بالإسلام. ثم انشغلوا بمقاومة جيوش الامبراطورية العثمانية إلى أن سقطت في الحرب العالمية الأولى وسقطت معها الأمبراطورية الهنغارية – النمساوية لآل هابسبيرغ.
ونعود إلى الهجمات الإرهابية لنلاحظ أن الإرهاب لا دين له ولا وطن. إذ لا علاقة للإسلام بغزوة نيويورك في العام 2001 التي استغلتها الولايات المتحدة لتغزو أفغانستان وتغزو بعده العراق، ولا علاقة للإسلام بالعمليات الإرهابية في أوروبا ولو أن الذين نفذوا كل تلك العمليات يدينون بالإسلام ويفهمونه على طريقتهم. وطرق فهم الإسلام تعددت وتعددت الفرق تبعاً لذلك بدءاً بالخوارج وانتهاء بالوهابية وداعش، ووصل بعضها إلى بث العنف والإرهاب حين أسس الحسن بن علي بن محمد الصباح الحميري فرقة الحشاشين ودرب أتباعه على العنف في قلعة ألَموت الواقعة اليوم في شمال غرب إيران.
وبالمثل، لا علاقة للمسيحية بالحروب التي تشنها دول الغرب على بعضها أو على الغير، ولا علاقة لها بما كانت تنفذه جماعات مسلحة في ألمانيا (بيادر مانهوف) وفي إيطاليا (المافيا) وفي إسبانيا (ثوار الباسك) برغم كون ديانة المنفذين المسيحية.
وهناك من المجرمين ممن يدينون بالمسيحية من ارتكب المذابح في الولايات المتحدة وحصد أرواح عشرات من أتباع الديانة المسيحية، فهل يدعي أي عاقل أن إجراماً كهذا مو إجرام المسيحية؟ أو يدعي أي عاقل بأن مذابح الأقباط أو اليزيديين أو مسيحيي شمال العراق هي مذابح الإسلام لأن من نفذها هم من أتباع الديانة الإسلامية ممن يفهمونها على طريقتهم؟
نحن جميعاً خلق الله، إياه نعبد وإياه نستعين، وهو هادينا إلى السراط المستقيم، وهو سراط المحبة والتعاون والتكافل وعمل الخير. وهو الولي الحميد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش