الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إرهاب إزالة الكباب

رمزي الغزوي

الأحد 17 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 1974

لم يبق نبضٌ في شوارعنا العربية والإسلامية، ولم يبق نسغ غضب في أراوحنا المتعبة، وإلا لاحتشدنا في مظاهرات عارمة تندد بجريمة قتل المصلين المسلمين في نيوزيلندا. وقد يكون أن النضال (الفيسبوكي) الافتراضي غدا لنا بديلا استراتيجيا يتماشى مع ذاكرتنا المعطوبة، ومع طبيعتنا الفيزيائية التي تحمى سريعاً، وتبرد أسرع.
لم يكن أحد يتوقع أن تندلع أعمال أرهابية وحشية في بلاد مطلع الشمس. كنا نرى هذه الجزر مزرعة كبيرة وادعة عامرة بالخصب والنماء بعيدة كل البعد عن يد التطرف البغيضة. لكن الإرهاب يكسر أفق توقعنا، قبل أن يكسر قلوبنا بجريمة لا يتقبلها دين أو عرف أو خلق، ليتأكد لنا أن التطرف دين آخر يتبعُ معتنقه، وليس العكس. ويبرر نفسه بنفسه.
ولأن التطرف فعل متناقض لا يستقيم إلا في نفس معتنقه؛ فقد اتكأ مجرم المسجدين في تسويغ جريمته وتبريرها على أعمال (إزالة الكباب)، وهو مصطلح درج عبر شبكات التواصل يرمز لنشاط منع الإسلام من غزو أوروبا.
ظلال المصطلح غريبة ممتلئة بالتناقضات والتقاطعات. فالمجرم رجل أبيض من أستراليا. أي أنه من الذين هاجروا إلى تلك البلاد، وقتلوا سكانها الأصليين ابتداء. وهو لم ينفذ جريمته في بلده بل لجأ إلى بلد مجاور معظم سكانها ايضاً من المهاجرين الذي اقصوا السكان الأصليين. فكيف سيزيل الكباب من أوروبا؟؟.
لا اريد أن أدخل في (تكبيب الكباب) ورمزيته للدين الإسلامي. ولكن المجرم المعبأ بالكراهية والحقد لم يأخذ من تلك الرمزية إلا رموزا وتواريخ وشمها على سلاحه  كانت علامات فارقة في منع امتداد الإسلام في أوروبا، مثل تاريخ معركة بلاط الشهداء 732م، والحصار العثماني لفيينا 1683م.
كثيرون حاولوا أن يقارنوا ردة الفعل العالمية مع جريمة صحيفة شارلي إيبدو في فرنسا وهذه الجريمة النكراء متناسين أن الثقل السياسي للبلد المصاب هو الفيصل أولا وأخيرا. فلو أن هذه الجريمة وقعت في بلد فقير أفريقي أو آسيوي؛ لما حملت هذا المد الإعلامي أيضا، ولنا المثل الحاضر في الجرائم المرتكبة ضد الروهينغا في ميانمار.
الجريمة كشفت أن عشرات المساجد في نيوزيلندا تقام فيها الصلوات وينعم فيها المسلمون بحرية التعبد مثل غيرهم. وكشفت حجم الأسى الذي قرأناه في صوت رئيسة الوزراء المكلومة. وكشفت عبارة يبنى عليها في تربية الأطفال كتبتها طفلة على الرصيف أمام المسجد: أقول للقاتل إنك قمت بعمل غير صحيح.
التطرف قد يصيب الجميع. ولهذا على كل الذي يؤمن بالحياة أن يناهضوه، فهو طريق الإرهاب والعنف والموت الأليم الرخيص. ومن الظلم أن نربط أي تطرف بدين معين. إنه خروج على كل دين. فلا بديل عن ثقافة التسامح وقبول الآخر، إن أردنا أن يبقى كوكبنا متاحا للحياة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش