الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«وأقبل التراب» تحليق شعري في فضاء فلسطين

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2019. 12:00 صباحاً


نضال برقان
على الرغم من أن الشاعر عمر أبو الهيجاء، ظلّ يستدعي فلسطين، لتكون حاضرة في جلّ قصائده، بوصفها بوصلة للقلب والروح، على امتداد تجربته الإبداعية الممتدة لما يزيد على ثلاثة عقود، فإن حالة معاكسة تماما ستواجه الشاعر، حيث فلسطين هي التي ستقوم باستدعائه هذه المرة، ليتحقق اللقاء الأول بينهما، وهو اللقاء الذي سيحبّر أبو الهيجاء تداعياته وشجونه، من خلال ديوانه العاشر «وأقبل التراب».
الديوان نفسه، الذي صدر حديثا عن وزارة الثقافة الفلسطينية، سجّل أبو الهيجاء من خلاله عودتين، الأولى مثّـلت عودة الشاعر، بوصفه امتدادا وجدانيا وشعوريا وتاريخيا لآبائه وأجداده، إلى الوطن، بعد سلسلة من النفي والتهجير، أما الثانية فتمثـلت بعودة الشاعر إلى ذاته، بعد أن كان «جسدا فرّ وانزوى في الغياب»، ليكون من جديد «ذاكرة الدم»، و»ذاكرة التراب».
مشهد «العناق الأول» بين الشاعر و»طين الأم» تمّ تسجيله من خلال أولى قصائد الديوان، «عند المعبر»، حيث لن يلتقي الشاعر فلسطين فحسب، بل سيلتقي، في الوقت ذاته، المحتل، بكامل عتاده العسكري، وبكامل جرائمه، أما تفاصيل ذلك المشهد فنتابعه سويًا من خلال قول الشاعر:
«عند المعبر/ شممنا البلادَ/ تعمدنا بريق السماء/ يمرّ حولنا الجنود/ تأخذهم الرهبة من طلقات العيون/ جنود متمترسون خلف بنادقهم/ منتفضون يطويهم الرعب..».
ثمّـة مفارقة تكتنف المشهد، فمقابل الشاعر الأعزل، إلا من عشق الوطن، نرى الجنود المسلحين «يطويهم الرعب».
وبعد أن يحقق الشاعر عودة مادية للوطن، فإنه سيحقق عودة معنوية لذاته، من خلال «ولادة أخرى»، ستتيح للشاعر أن «يتكاثر مع التراب»، وأن يحجّ «خاشعًا بين البيوت، والطين الطري»، يقول الشاعر في خاتمة القصيدة:
«هنا فلسطين/ حملتني الحروف/ وما ملكت يداي/ كي أرمم ما تبقى من حلم/ في رحلة الولادة».
تاليا تتوالى قصائد الديوان، لتكون محطات من الوجد والعشق وفرصة لتتبع رائحة دم الآباء والأجداد في الوطن، من جهة، ومحطات متجددة من المواجهة مع المحتلّ من جهة أخرى. القصيدة الثانية في الديوان كانت «قلنديا.. الحاجز»، وفيها يقول أبو الهيجاء:
«قرب الحاجز/.. لم أرَ/ غير جنود مرتجفين/ تسندهم خيبة السقوط داخلهم..».
ومن ثمّ يواصل الشاعر تحليقه في فضاءات الوطن، ليحطّ رحاله في نهاية الرحلة بـ»القدس.. مدينة الله»، حيث حجارة المدينة «تصلي في منازل القلوب»، وحيث ثمة مدن «تحج موصولة بالعروة الوثقى، تحج للقيامة، للصخرة، للشهداء..»، وفي ذروة المشهد، يطلق الشاعر جسده «حماما في سوق العطارين/ بين المارة والكعك المقدسي/ في ثياب الشوارع/ وقمصان صلاح الدين..».
بعد ذلك «التحليق» سيكون الشاعر مهيّـئا ليكون كما وشمته أمّه «علما فوق زندها»، وذاكرة للتراب»، وقبل ذلك كله سنسمعه يبوح بما كابدته روحه من خسارات متراكمة، حيث لم يستطع أن يكون ذلك «الولد الذي يليق به الحب»، فقد كان «مرغما على الغناء»، وكان جسدا «فرّ وانزوى في الغياب»، بيد أن تحولا هائلا كان طال كلّ نبضة في قلبه، بعد ذلك اللقاء التاريخي مع الوطن، وهنا سنتعرف حالته وهيئته الجديدة، يقول الشاعر في القصيدة الأخيرة في الديوان:
«كنتُ أول عاشق/ حملته نار الوجد/ وألقته في حضن البلاد/ كنتُ.. كما أشتهي أن أكون/../ كنتُ ذاكرة التراب».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش