الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نهايات مفتوحة وحوارات معلّقة

الدكتور علي عبد السلام المحارمة

الأربعاء 13 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 20

نخوض في كثير من الأحيان حوارت جادة مع أشخاص يتمتعون بقدرٍ عالٍ من الوعي والفكر الناضج والإدراك، ويتم تناول موضوع الحوار من زواياه المختلفة، وجوانبه المتعددة، وفي النتيجة لا نصِلُ لأية مخرجات وتوافقات سوى متعة الكلام، فيغدو الحوار بمجمله حينئذٍ حالة من الترف الذهني تستعرض من خلالها أطراف الحوار قدراتها ومهاراتها وخبراتها ومعارفها...
وعندها نطرح التساؤل: لماذا نتحاور؟ وما جدوى الحوار إن لم يكن له هدف مسبق تتفق عليه أطراف الحوار كافة؟. فالأصل بالحوار ألّا يكون صفري النتائج؛ بحيث لا يُفترض بطرف من أطرافه أن يُسلّم برأيه للطرف الآخر بشكل مطلق ويعلن بشكل واضح وصريح أنه كان على خطأ تام وعميق، وأنه لم يدركه إلا من خلال هذا الحوار...
هذا التصور العقيم ينزع من أي حوار فوائده وأهدافه، ويجعله مجرد ثرثرة ومضيعة للوقت والجهود، فلا يعقل أن يُقدِمَ طرف على هذا الموقف المتطرف عاقل يمتلك أدوات الحوار والإقناع؛ ولا يُفترض بأحد الطرفين أن يكون ناجحًا في حواره وواثقاً من طرحه إلى الحد الذي ينسف به الطرح المقابل جملة وتفصيلا.
لذا، فإن الحوار الناضج الحقيقي يجب أن ينطلق من قناعة لدى طرفيه بأن أحدًا لا يمتلك الحقيقة بمفرده، وأن جزءًا من الحقيقة يمتلكها الطرف الآخر، وأن الهدف من الحوار هو إطلاع المقابل على بعض الجوانب التي كان يغفلها، ليعيد صياغة طرحه بشكل آخر يتضمن تلك الجوانب وليكون أكثر نضوجا وأكثر قرباً للحقيقة.
كما أنّ الحوار النافع يجب ان يتمخض عنه خلاصات ونتائج يعلن تبنيها أطرافه كافة، ومهما كانت تلك الخلاصات المشتركة شحيحة ولا تمثل رؤية مشتركة للجوانب المختلفة، إلا أنها في الحقيقة ستكون بمثابة ثمرة سليمة مبشرة بمزيد من التوافقات، وبطبيعة الحال فإن أية توافقات مفترضة يجب أن تتضمن تنازلات جزئية وجريئة عن بعض الثوابت والقناعات التي يثبت من خلال الحوار بأنها لا تستحق التمترس والجمود الذهني الذي يسبق الحوار.
والمرونة الذهنية هي حجر الزاوية لأي حوار ناجح، ولا يمكن ان يتحلى بتلك المرونة سوى واثق مدرك بأن احترامه لذاته لا ينسلخ عن احترامه للآخر، وبالتالي
تقبل لهذا الآخر ولطرحه وللإختلاف معه مهما كان واسعاً.
وبناء على الفقد الذي تعانيه حواراتنا وخلواتنا الطويلة والمستمرة من عناصر الحوار الناجح والناضج أعلاه؛ فإن غالبية حواراتنا لا تتجاوز الشكليات والمظاهر نحو العمق الذي يثمر المواقف الجمعية التي تنبئ عن خطوات عملية منتظرة، وبعد الجهود المضنية لحواراتنا على هذا النحو، تبقى معلقة ونهاياتها مفتوحة ولا تفرز أية آثار ملموسة على أرض الواقع، وسيستمر حوارنا على هذا النحو حتى تحين اللحظة التي لن تأتي قط: استسلام طرف من أطراف الحوار وإعلانه العودة للرشد المفقود الذي عرّاه الخصوم...

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش