الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إضراب لدعم التمييز بين المواطنين؟!

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الثلاثاء 12 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 1993

أمس؛ تداول المتداولون خبرا يفيد بتوقف عن العمل أو إضرابا «تجريبيا» صامتا في مدينة معان، ينفذه بعضهم دعما ومؤازرة للمتعطلين عن العمل من أبناء المدينة، المعتصمين في عمان أمام الديوان الملكي..
وقبل أن نتحدث عن هذا التصرف، ومدى شرعيته إن اعتبرناه أسلوبا ديمقراطيا في التعبير..
كلنا نتعاطف مع المتعطلين عن العمل، شبابنا الذين بمرحلة من أهم مراحل عمرهم، ولا يجدون عملا يقيهم شر سؤال أهلهم نفقاتهم اليومية البسيطة، وعجزهم عن توفير عمل يؤسس لمستقبل مستقر لهم ولعائلاتهم ومناطقهم ومجتمعهم.. ولو كان عدد المتعطلين عن العمل هو فقط مجموع الذين يقفون في الاعتصام أمام الديوان، فالحل سهل، حتى لو كانوا 10 آلاف مواطن فقط، لقمنا بالاعتصام معهم حتى تجد الدولة لهم حلا، لكن الحقيقة تقول غير هذا..
أكرر ما كتبته أكثر من مرة حول عدد المتعطلين عن العمل من خريجي الجامعات وبعض الكليات الجامعية المتوسطة، فهو وحتى نهاية الشهر الأول من هذا العام، كان أكثر بقليل من 388.000 شاب وشابة، تبلغ نسبة الإناث منهم حوالي 60 %، ومن بينهم من مضى على انتظاره لفرصة عمل في القطاع العام أكثر من 15 عاما، وأجزم بأن العدد قد زاد بواقع 10 آلاف على الأقل، فهو يناهز 400.000 طالب للعمل وينتظر دوره في كشوفات ديوان الخدمة المدنية، وذلك بعد إجراء الامتحان التنافسي في الديوان مطلع شباط الماضي، حيث استقبل الديوان طلبات خريجي الجامعات الجدد الذين تخرجوا نهاية الفصل الأول من العام الحالي، فهل من العدالة والمنطق والقانون أن ندعم مطالبات فئة ما من هؤلاء الذين يقفون في الطابور الطويل، ونقفز عن حقوقهم، لنقدمها لغيرهم؟! ..
الحقائق لا تعجبنا لا سيما حين نتجاوز عن المنطق والقانون والديمقراطية والحريات والحقوق، وسوف يقفز القافزون عنها بدعوى أن «البلد تغوص في مستنقع الفساد والتنفيع والتمييز بين الناس» وهو كلام يقوله كل الغاضبين، وقد يكونون محقين في جزء منه، بناء على أمثلة نجترها يوميا ومنذ سنوات، لكن ما علاقة حكومة الرزاز أو أي حكومة جديدة بأخطاء السلف من المسؤولين؟ ولا أعلم ما هو الأولى أن نقف في عرض البحر لتفكيك كل قطع السفينة القديمة، أم نستبدل المعطوبة فقط ونمضي الى البر ثم ننفض أبو السفينة كلها؟ ..
حراك المتعطلين عن العمل إن جاز لنا تسميته بهذا الاسم، هو حركة دؤوبة في كثير من المجتمعات حول العالم، لها ثقافتها الديمقراطية المقبولة وتستند الى المفاهيم القانونية والإنسانية والاجتماعية التي يتساوى فيها الناس، ولا يتوقف حتى وإن قل عددالمتعطلين عن العمل، شريطة الالتزام بالعدالة وبأحقية الجميع في الوظيفة العامة «المتاحة»، وحسب معايير قانونية عادلة، أما القفز فوق الجميع وإعلاء الصوت فهو نوع آخر من الابتزاز، وفيه شرعنة لرفع الصوت والقفز عن كل الدساتير البشرية، مع تمام علمنا بأننا لا نملك هذا الكم من الوظائف، لخريجي جامعات لم يحسنوا اختيار تخصصاتهم، وهم بأنفسهم توجهوا الى مستقبل غير مبشر ويفتقر الى الفرص، وذلك على الرغم من علمنا جميعا بأننا نشهد تحديات اقتصادية تتفاقم ولن تتراجع، ما دمنا نفكر بهذه الطريقة في بناء مستقبلنا الشخصي.
حين استقبل رئيس الديوان الملكي قبل أسابيع مجموعة من شباب العقبة المتعطلين عن العمل، فقد تصرف الرجل بعيدا عن السياسة التي جاء ليبعدها عن دور الديوان الملكي الاجتماعي الداعم للمجتمع وللمؤسسات وللحكومات، والذي لا ينازع الحكومات ولايتها كما كان يحدث سابقا، لكن الرجل ربما لم ينبهه أحد بأن المشكلة لا تتعلق بمجموعة من أبناء العقبة فقط، إنما بقرابة نصف مليون أردني، وهو ميراث متراكم من حكومات وممارسات قديمة، ولا يمكن حله بمكرمة ملكية أو بوقفة إنسانية عابرة.
قد نتفق على الخروج كلنا للشارع لتحديد معايير واضحة لفرص العمل في القطاع العام، ونطالب بالالتزام بها، وبمحاكمة من يتجاوزها، لكننا بالتأكيد لن نضرب أو نعتصم أو نقف من أجل أن يعتدي أحدنا على حق مواطن آخر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش