الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأطفال ذوي الإعاقة ... مَن يخرجهم إلى نور الحياة؟!

تم نشره في الخميس 7 آذار / مارس 2019. 12:00 صباحاً

رلى السماعين

كيف أبدأ ؟! ... كيف ننام الليل وهناك أطفال ذوي إعاقات، الذين لا حول لهم ولا قوة، يُعامَلون في بعض المراكز الخاصة وكأنهم قيد الاحتجاز على غير جُرمٍ ارتكبوه سوى أنهم خُلقوا مختلفين صحياً! أقول هذا مدركةً بأن الغالبية، كما كنت أنا، لا تعلم بأن في زوايا العادات المتوارثة هناك خجل واستحياء واستياء من الأطفال «المعاقين» كما كان يطلق عليهم ولا يزال؛ الام تُلام لأنها من أنجبت، والأب يُلام وكأن الإعاقة خطيئة قابعة في عائلته من شأنها أن تجعل العائلة منبوذة، ومستبعدة من المجتمع. وهذا النوع من التفكير ربما وُجد منذ القديم وقبل زمان السيد المسيح، وهو ليس محصوراً في منطقتنا فقط، بل إنه موجود في معظم المجتمعات المغلقة في العالم.  فبينما كان السيد المسيح يتجوّل، مرَّ على كفيفٍ يستعطي. «فسأله تلاميذه قائلين: يا معلم، من أخطأ: هذا أم والداه حتى ولد أعمى؟ أجاب يسوع: لا هو أخطأ ولا والداه». (إنجيل يوحنا: إصحاح9، عدد1).
كتبتُ قبل مدة لصحيفة «الجوردان تايمز» تقريراً حول الوضع التعليمي للأطفال من ذوي الإعاقة، فتبين بحسب تقرير التعداد العام للمساكن والسكان الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة عام 2015 بأن نسبة الأطفال من هؤلاء ابتداءً من عمر خمس سنوات فأكثر تبلغ 11.2?، أي ما يعادل مليون ومئتي ألف طفل. وفِي مقابلة مع سمو الأمير مرعد بن رعد بن زيد رئيس المجلس الأعلى لحقوق الاشخاص ذوي الإعاقة، أفادني سموه بأن نسبة هذه الفئة من الأطفال هي خمسمائة ألف طفل تحت سن الثامنة عشرة، وأغلبهم سواء في البيوت أو في المراكز  والجمعيات الخاصة المنتشرة في أنحاء المملكة حرموا من التعليم المنهجي، وبأن معالجة هذا الهمّ المجتمعي يكمن في التخطيط السليم والدقيق وتنفيذ الاستراتيجيات والبرامج بجديّة. وقال: إن القانون رقم 20 سنة 2017 في الأردن يضمن حقوق الأطفال ذوي الإعاقة، ويوضّح مسؤولية جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية وكل الجهات المعنية لضمان التوازن المجتمعي. 
إن هذه الفئة من الأطفال تشمل مَن لديهم إعاقة حركية، أو بصرية، أو سمعية، أو ذهنية، أو عقلية، وهم في كل الأحوال خليقة الله الكاملة كما نحن جميعاً، لكن شاءت الإرادة الإلهية أن نختلف وهذه طبيعة الحياة وسنَّة الكون، فالتنوع موجود في كل ما خلق الله من بشرٍ وحيوانٍ ونباتٍ، والتنوع يشمل جسم الانسان نفسه فبصمات أصابع  اليد الواحدة تختلف عن الأخرى.  فهل نرفض من يختلف عنّا ؟! هل نرفض أطفالنا فلذات أكبادنا لأن الله أراد بخليقته أن تكون مغايرة للطبيعة واختار  بيوتاً وعائلات  معينة عن أخرى في عطيته هذه ؟! 
أعترف لكم بشعوري إحياناً أنني خذلتهم أيضاً. فدراستي في مرحلة الماجستير كانت في حقل التعليم وبتخصص «صعوبات التعلم». وكان رسالتي لنيل الدرجة دراسة حالات لأطفال من ذوي الصعوبات في التعلّم، وعلى هذا الأساس كتبت البحث للتخرج، غير أني لم استطع الذهاب إلى مراكز خاصة بأطفال من ذوي الإعاقة للدراسة الميدانية، بل  آثرت الذهاب إلى إحدى المدارس الخاصة. أذكر في خلال هذه المرحلة الأكاديمية ذهبنا في زيارة إلى أحد المراكز التي تعنى بمثل هؤلاء الأطفال. أذكر أيضاً أن مَن استقبلني حينذاك كان طفلاً لا يتجاوز السابعة من عمره، القسم السفلي من جسمه كان ضئيلاً جداً، فيما القسم العلوي ابتداءً من خاصرته وعقله كان طبيعياً إلى درجة معقولة. أذكر نظرات عينيه، وتلك اللمعة الغريبة فيهما وضحكته الجميلة البريئة وهو ينظر إليّ محاولاً التعبير عن الترحاب بأكبر قدر ممكن له. وحتى اليوم بعد مرور أكثر من عشر سنوات، فإن تذكّري لهذا المشهد يجعل عيني تدمعان!  لم أتكلم معه، ولم أستطع ذلك!! فقد غادرت المركز ودخلت في نوبة من الحزن لأيام عدة، حزنت على الإنسانية التي تركت هكذا طفل من دون حنان أم أو سند أب أو عناق أخ أو أخت !! 
بعد حصولي على الشهادة الجامعية في الدراسات العليا، وضعتها في الدُّرج وبقيت مجرد شهادة ورقية جميلة ومزينة، وعملت في الصحافة التي وجدت فيها مجالاً للإبداع أحقق فيه ذاتي، لأن الصحافة بالنسبة لي ليست مهنة امتهنتها بل رغبة رعيت بذرتها في طموحاتي حتى أصبحت حباً خالصاً والتزاماً بمسؤولية الكلمة.  كتبت عن أول كنيسة في العالم نالت صدىً عالمياً كبيراً، وكنت أول مَن كتب عن امرأة شرطية تركب الدراجة النارية، وعن كاتدرائية البترا فعملتْ على تغيير الاسم من البتراء النبطية إلى البترا، وتوالت التغطيات والتقارير والنجاحات والشكر لله، إلى أن التقيت بسمو الأمير مرعد مرة أخرى بعد عقد من الزمن في الصحافة، فشاركني بقصص عن أطفال  من ذوي الإعاقة في بقاع مختلفة من العالم كما في الأردن. عصرت قلبي هذه القصص المأساوية في غالبيتها  وأنا جالسة أستمع لسموه وأصلي في قلبي بأن لا تنحدر دموعي أمامه، فعليَّ أن أحافظ على كوني صحافية محايدة منطقية لا تستولي عليها العاطفة في هكذا مواقف. لكن صورة الطفل الذي هربت منه ما تزال واضحة في مخيلتي وكأنها تحدث الآن.
أدرك الآن بأن في المنطق عبودية ومحدودية، وأن لا شيء أجمل من الحب الذي يعطي الحرية، وأن الإنسان وُجد ليحب، وأن الكراهية هي قرار شخصي. فلماذا هربنا من ذواتنا ومن فلذات أكبادنا ونبذنا خليقة الله الكاملة حتى بالإعاقة، فهي خليقة كاملة بنظر الخالق ونحن على قصورنا مَن قررنا بأن تكون ناقصة، لذلك أوجدنا لهم سجوناً طبيّة وهدفنا بمحدودية المنطق أن نكرس الحجّة بأن المال الذي يُدفع لرعايتهم هو ما يكفيهم ويسدّ احتياجاتهم. لا أدين أحداً، لكن الحقيقة أن لا أحد يعلم ما في القلوب، فكيف لنا أن نستطيع حبس المحبَّة أو حبس آلامها ؟! هذا مستحيل، فإن فعلنا ذلك ستظهر المحبة والفرح والألم في العيون !!
نعم، هناك مَن يهرب من الألم، أو يحاول تغطيته بغربال،  وهذا ما يفعله المجتمع عندما يزجّ بهؤلاء الأطفال الأبرياء «المختلفين» عنّا في مراكز فحسب ولا يعتني بهم في جوانب كثيرة، فهم لهم الحق في التعليم كما للأطفال  الآخرين، وفي الاندماج بالحياة الاجتماعية، وكذلك في  الشمس والضحك واللعب والغناء والبكاء والكلام إن استطاعوا ... لهم حق الحياة بكل معنى لهذه العبارة . لقد قرأنا عن قصص مثبتة واقعياً وعلمياً، تعلّمنا منها بأن في هؤلاء الأطفال مَن لديه قدرات عقلية «غير طبيعية» من سرعة قراءة أو ذاكرة أو استيعاب، ومنهم من لديه مقدرة كبيرة على منح حب كبير لمن حوله، وهناك من يستعمل يديه بمهارة عالية... والقصص كثيرة ومذهلة. فمن نحن حتى نحرمهم بما هو حق لهم في الحياة ونحكم عليهم بالحرمان المؤبد ؟!
أعلم بأن العناية بهم مختلفة عن العناية بالأطفال  الطبيعيين، وتحتاج إلى تعب وجهد أكبر ونفقات مادية أعلى. وهنا يأتي دور المجتمع قاطبة، فعلينا جميعاً - دون استثناء - العمل من أجل إعطاء هذه الفئة من الأطفال العناية المناسبة ودعم عائلاتهم بصورة فعّالة. وكبداية يجب نشر التوعية بأنهم ليسوا عيباً أو خطايا، وليس من حق أيّ كان أن يقرر استبعادهم  عن المجتمع. يجب تحويل ملفهم من وزارة التنمية الاجتماعية إلى وزارة التربية والتعليم أو دمج المسؤولية بين الوزارتين، والعمل على تأهيل معلمات ومعلمين لهم، وإدراج نسبة من الطلاب ذوي الإعاقة في كل مدارس المملكة. علينا تهيئة أبنية المدارس الخاصة والحكومية لاستقبال هؤلاء الأطفال، حتى يتعلم أطفالنا كلهم احترام الاخر وعدم نبذه. فإذا استطعنا أن نُعلّم الحب، حب الإنسانية، وأن نزيل عبئاً مادياً كبيراً من خلال التخفيف من وجود مراكز لذوي الإعاقة في المملكة، نكون قد أنصفنا مَن لا حول لهم ولا قوة.
علينا أن نعمل كثيراً من أجل ذلك كلّه، والأهم علينا أن  نُغيِّر الزاوية التي ننظر من خلالها للإنسانية، وأن نتحرك مجتمعاً وأفراداً لنهدم أسوار العزلة التي تقيمها بعض الجمعيات الخاصة ونفتح أبوابها للشمس والهواء، ونعطي مسلوبي الحق حقهم، علّ الله يرضى عنا ويصلح أمرنا. هم لم يشاؤوا بأن يولدوا مختلفين، الله سبحانه أراد ذلك، لم يخطئوا ولم يكونوا يوماً عيباً في العائلة الممتدة والقريبة، فكيف نقرِّر نحن أن نتجاوز مشيئة الخالق وننبذ الأبرياء ونقرر عليهم حكماً غير إنساني، ثم ننام الليل الطويل «بسلام»؟! 
 
- الكاتبة صحافية ومؤلفة كتاب «حصن السلام التجربة الاردنية في الحوارات بين اتباع الاديان والعيش المشترك»*

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش