الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يدقون «الجدار» حتى تتحقق مطالبهم

حسين الرواشدة

الثلاثاء 5 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 2529

في بلدتي الشوبك كان مجموعة من الشباب الذين افتقدوا فرصة الحصول على عمل - اي عمل- يجهزون انفسهم للالتحاق باخوانهم الذين خرجوا مشيا على الاقدام من معان والعقبة واربد الى عمان لايصال صوتهم الى المسؤولين، لكن احد المسؤولين تدخل ووعدهم بمساعدتهم والبحث لهم عن وظائف، فقرروا البقاء في بيوتهم انتظارا للوعود التي تلقونها، وتعلقا بالفرج القادم.
تذكرت ان ما حدث لهؤلاء الشباب حدث قبل سنوات لهم ربما، او لاخرين من زملائهم، حيث طلب منهم محافظ معان آنذاك ان يلتقوه، وحين حصل ذلك قال لهم : ما هي مطالبكم ..؟ فذكّره أحد الشباب الحاضرين بأنهم تقدموا بها مكتوبة منذ سنوات، وربما تكون في درج مكتبه الان .. وقد كان هذا صحيحا - بالطبع - فقد أعد مجموعة من الشباب دراسة مفصلة عن اوضاع لوائهم، وقدموها لكل الجهات الرسمية لكنهم لم يتلقوا اي رد .
مشكلة - بالطبع - اذا كانت مطالب الناس غير معروفة للمسؤولين، ومشكلة اكبر اذا كانت موجودة لديهم في الادراج ولم يتحركوا لدراستها او تلبية ما يمكن منها، ومع انني استغرب كيف يغيب المسؤول عن هؤلاء الناس الذين لم يبق لديهم اي شيء يدفعهم الى الاستقرار في قراهم، لا مشروعات ولا وظائف ولا خدمات ولا حتى مياه، ثم يطالبهم - كل مرة - ان يكتبوا مطالبهم وقضاياهم، وان ينتظروا «الفرج»، الا انني أفهم - تماما - كيف نجحنا - بامتياز - في تحويل هؤلاء الشباب الى محتجين يخرجون الى الشارع ويسيرون مشيا على الاقدام مئات الكيلو مترات ثم ينامون في هذا البرد القارص اياما طويلة لرفع أصواتهم لعلها تصل الى المسؤول، كما نجحنا ايضا في اضافة «بؤر» توتر جديدة اخشى ان تنفجر في وجوهنا كل مرة.
من يبحث عن اجابة صحيحة «لمؤشرات» علاقة المحافظات والاطراف بالحكومات وتراجع ثقتها بها يستطيع ان يفهم ذلك، وانا لا أريد ان اقدم له نماذج من الطفيلة والكرك والعقبة ومادبا واربد ووعجلون وجرش ..الخ، وانما ما حدث في الشوبك فقط، فالشوبك تعد نموذجا فريدا –هل اقول مفزعا- للهجرة حيث يخرج منها يوميا مواطن او اكثر ولا يعود اليها الا في المناسبات وبعض القرى هجرها أهلها بالكامل ومنها قرية «ابو مخطوب» التي تحولت بيوتها الى كهوف لا يسكنها احد، ومن أسف ان ايا من المسؤولين لم يكلف خاطره للسؤال عما دفع الناس الى ذلك، والى جانب «ابو مخطوب» هناك ايضا قرية «الجاية» التي تقع في اسفل قلعة الشوبك فقد اصبحت هي الاخرى شبه خالية من السكان والى الجنوب منها قرية «المقارعية» التي هجرها معظم اهلها.. وهكذا.
لماذا يهرب الناس من قراهم وبيوتهم الى العاصمة والمدن الاخرى؟ الجواب لانهم يريدون ان يعيشوا مثل بقية البشر، بعضهم يبحث عن فرصة عمل او وظيفة، بعضهم يسعى الى اكمال دراسته، اخرون تقاعدوا ووجدوا ان رواتبهم لا تكفي فخرجوا للعمل من جديد، غيرهم دفعه غياب الخدمات والمؤسسات التي ترعى «المواهب» والابداع، وصعوبة المواصلات ونضوب المياه ويباس الاشجار وتحول «البساتين» الى حطام للبحث عن اماكن اخرى يستطيع ان يعيش فيها ويحقق ما لديه من طموحات.
هذا بالطبع جزء من القصة، لكن ما دفع الناس الى الاحباط وفقدان الثقة بوعود المسؤولين هو شعورهم «بالاهمال» والتهميش من قبل الحكومات المتتالية، كان يمكن - لو توفر ما يلزم من اهتمام بهم على شكل خدمات جيدة ومشاريع وفرص تشغيل وتنمية حقيقية في الزراعة - ان تكون الشوبك مثل غيرها من مدننا الصغرى وقرانا - منطقة جاذبة لا طاردة، وان تحتضن ابناءها بدل ان تدفعهم الى الهجرة، لكن ذلك لم يحصل.
للاسف، لا يوجد للشوبك، كما غيرها من قرانا في الاطراف «لواقط» في الدوائر الرسمية لكي تستقبل رسائلها، ولا يوجد ايضا ما يدفع «المسؤول» في عمان للانتباه الى اصوات الناس وشكواهم هناك، لكن من المؤكد ان هؤلاء الذين خرجوا لايصال صوتهم بعد انتظار طويل سيظلون يدقون «الجدار» ولو من داخل «البرميل» حتى تتحقق مطالبهم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش