الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عالم بلا زوايا

رمزي الغزوي

الاثنين 4 آذار / مارس 2019.
عدد المقالات: 1974


طالما رفع الساكنون كسل منتصف العقد الخامس يافطة تلوح في مهب قاطرات العمر ومطاراته: (الرجلُ بعد الخامسة والأربعين يفكر بالحب كثيراً ومليّاً، نفسهُ خضراءُ طريةٌ، ويدهُ شجرة ورد، وروحه يمامة، وصمته جواب). 
وكم هامستني نفسي، كلما هفهفت كلماتهم في مفارق السنوات: لا تصدقهم يا أنت. لا يخدعك بمجاز الكلمات هؤلاء المبجلون الوثيرون. هم يحيون بمدارات أخرى للحياة، ولم تتشابه البدايات بينكم ولا المآلات. من يتحدث عن الحب لا يحب. من يدعي طراوة النفس إلى اليباس آل أو سيؤول.
يا أنا. أنت كمشة أطفال معاً، كل طفل بخمس سنين عامرة الشغب والدهشة، متعبة السؤال، لا يرضيها جواب. أنت شابان عشرينيان دمجتهما روح العنفوان لقلبك الأحمر النامي. أنت شيخ تسعيني شطره الزمن صديقين متحاربين متحابين لدودين. أنت ومرآتك يا أناي. 
في السهرة قالت عرافة المقهى، وقد غمز لها صديقٌ ستيني؛ كي تنال مني: الرجل في منتصف عقده الخامس غصنٌ يابسٌ، حظٌّ عابس، ووهج ينوس. ما بعد الخامسة الأربعين، باب الشيخوخة، وسؤر كوؤس حامضة. ساعتها انفجرت صاخبا: تباً لبقايا فنجان تركته ليدك الراعشة أيتها الغضناء. خدعتني زرقة عينيك. خذي دنانيرك وارحلي.
الرجل بعد الخامسة والأربعين ثمرٌ دان، وعمر ثان. عسلُ مصفٌى. نحلٌ شقي الشطحات، طويل الغيبات، مليئ الحواصل. الرجل الأربعيني شامة الوقت، بيرق العاشقين، آخر المهزومين في زحام الوهم، وطعان طواحين الهواء و(المراجل الفاضية).
صديق يكبرني بخمس سنين، يقول لي منحنى الكلمات، لاهث الوجع، بعد سبع سعلات ناثرة: الرجل في السابعة والأربعين أخو الشيخوخة، وابن الأرجوحة، خاتم زوجته الضيق، وربيب طاعتها الأعمى. فنضحك ملء الخدر ليسترسل بعد نحنحات باكية: الشعر يتهطل شيباً، والعمر يمتلئ عيبا.
لا يا صاح، يا رفيق العكاز قل هذا عن نفسك، فأنا أحسني عصفوراً لا يرقد في عش، ولا يسكن في غيمة، ولا ترضيه النهارات. روحي سماوات بعيدة عنيدة. لكني في لحظات يا صاحبي، أطمر وجهي في راحة كفي، وأنحب ملء رئتي: ماذا أنجزت؟ كيف عشت؟ ولماذا أخذت الحياة على محمل الجلد؟.
في الأربعين قالوا لي: الحياة تبدأ من هنا. عليك أن تعرف أن من دخل الأربعين بلا إنجاز لن ينجز. فمن (طبع طبع ومن ربّع ربع). وعندما دخلت الرابعة والأربعين قلت: هذه سنة زقزاقية، كلها زوايا، لكني لن أختبئ في أي زاوية هنا أو هناك. روحي تتوق إلى الخمسين. تعجبني دائرة الخمسة فهي بلا زوايا، مثل كرة الأرض، فرضت علي أن أواجه الحياة بكل حياة.     

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش