الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نتركه ونعود إليه كذئاب ضالة

تم نشره في السبت 23 شباط / فبراير 2019. 12:00 صباحاً
محمد العامري

كل ما يخطر ببالي عن البيت العمّاني هو مجموعة من الأثلام التي تحرث روحك من شدة الوحدة، حيث تفعل المدينة فعلتها في تحديد خطاك حتى تعتاد على مسارات محددة عرفتها قدماك.
فلم يعد أمامك سوى أن تستسلم لتلك الرحلة الاعتيادية لتمارسها بلذة واهمة يوميا، فلا خيار لك أمام تلك الخسارات المتتابعة في يومك وسنوات عمرك، فما تبثه شاشة التلفاز يدعوك مباشرة إلى ركل العالم كله بقدمك المريضة بالهروب من واقع لم يعد واقعا، هو المشهد السوريالي الذي يجتاحك فتدخلك الاخبار تباعا، خسارات العرب في وارسو وغباء اللغم حين يفجر انسانا غافلا وتفاصيل باعة الغاز الذين أهانو «باخ»، عن الحياة التي تركلنا في حاويات الأصوات العالية، عن ذلك المكان الذي اعتادك ليملأ معدته بضحكاتك الخاسرة، عن الوشايات النحيلة هنا وهناك، كأنك تذهب لموتك اليومي لتكفن أحلامك بقليل من الأشجار، وبعض من مهاتفات باردة تشبه مهاتفات كل يوم، عن بيتك الذي لبّته بالانتظار، وعن تضميد ذاكرتك بالماضي البعيد ليصبح منقذك الوحيد من واقع الآن، كأن تتذكر كيف كنا نزرع حبات العدس في القطن المبلل لنصاب بدهشة ليست ترابية، أحلام ماضوية صغيرة ربما تنقذك من ألم اليوم، نعم نحن كائنات ماضوية بامتياز، فلم نذهب إلى الماضي من باب اللذة الغابرة بل ركضنا إليه من سياط بؤس الواقع الذي لم يعد واضحا في يومك وتفاصيل حياتك، فلم نبك طوال العمر سوى من مفقودات اعتقدنا انها ذات أهمية، فالحرب أصبحت سخرية من سخريات القرن، وكذلك كوميديا التطبيع والاحتكاك بشوكة من باب اعتياد الألم، وصروف الخلافا في مسائل لم تعد حاضرة في كون انشغل للسيطرة على العالم، إننا قلادة الأخطاء حين نتفاخر بحروب استعرت من أجل ثغاء ماعز، فجمعنا في ذاكرتنا بين السيف والكمبيوتر، وبين القنوة والفيس بوك وبين «البركر والهفيت» وبين «الخبيزة وسوفليه الشوكولاتة» لقد أصبحنا نمكث في مرايا هجينة تماما، كمن يتغزل بمركبة لم يساهم في وضع دهانها، فأمثلتنا أصبحت غير جامعة، فهبط الخريف إلى موائدنا المعرفية لنغمّس خارج الصحن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش