الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا تدهنوا على صدأ في قضية عنجرة

رمزي الغزوي

الثلاثاء 19 شباط / فبراير 2019.
عدد المقالات: 1955


نقضي عطلتنا في عجلون، ابنة الغيم، وأخت الماء. لكن العتمة لم تأت على قدر ما اشتهى العاشق، ولا جاءت الرياحُ كما تهوى السفن، في الأسبوع الماضي. فعشنا ليلة ثبتت أيادينا على دفوف قلوبنا الواجفة، وقلبت أخضر غاباتنا أسود من فحم مبلول.
 أعرف أنني حين أكتب عن قضية عنجرة، أكون كمن يمشي في حقل ألغام نزق. ولكني أؤمن أن عليّ قول ما أعتقده صواباً، حتى ولو كان مؤلماً. فلست أعمل كاتباً إلا عند الحق. ولأن الواحد لن يرى صورته في الماء، وهو يغلي بشكل جليّ، فقد تريثت حتى أهدأ، وتستقر أنفاسي.
 لن تكون هذه القضية الأخيرة في بلدنا. كما لم تكن الأولى. فثمة استقواء على مقومات الدولة. فعند الملمات نرانا ننسحب نحو ما نعتقد أنه حصننا الأقوى والأخير: العشيرة. ونرانا نخلع العقد الاجتماعي.
 قبل سنوات كنا نناقش طلابا جامعيين حول المشاجرات وأساساتها. فوقف أحدهم وأخرج هاتفاً (أبو اللكس) وقال: بهذا الهاتف الغبي استطيع الآن أن أحشد خمسين شاباً مدججين بأسلحتهم وقناويهم يهاوشون ويكسّرون دون أن يعرفوا السبب، أو (الواو واو إيش) حسب تعبيره. يومها استغرب بعض الزملاء من هذا الكلام، لكني أكدت صدقه. فنحن ما زلنا نشعر أن عائلتنا هي الذراع الحامي.
 سيقول قائلون إن الفقر والبطالة وتغييب المشاريع من أسباب هذا الاحتقان. وهذا يكون صحيحا حين لا نشعر أننا من غير مكونات هذه الدولة، واننا لا نحلب في إنائها. وهذا منطق قاصر يدعو بصيغة مبطنة إلى التقهقر نحو الغاب وقانونه.
 احترقت قلوبنا ونحن نرى الشوارع التي من المفروض أنها للناس والحياة مغلقة بالنار. فكيف لي أن أشعر بالأمان؟ وألا أخاف أن أياً كان يستطيع في أية لحظة أن يعتدي على حقي دون أن يفكر بشيء.
 أقول وأجري على الله. الأنا المتضخمة لدينا، أو بالمعنى الأدق الأنا المتورّمة. هذا الأنا هي التي تجعلك تشعر أنك أعلى وأغلى وأقوى وأهم من الآخرين، وأنك محمي.
 نترحم على الفقيد، ونتمنى الشفاء للمصابين، وننتظر نتائج التحقيق؛ لنر من هذا الذي استسهل قتل الشاب؛ فقتلنا جميعا. نريد أن يطبق القانون على الجميع، لنشعر أننا في دولة قانون. ونريد ألا يكون السلاح متاحاً إلا بيد الدولة، تستخدمه بالقانون. وأريد أن أكون مطمئنا أن الشرطي لما يطلب مني هويتي يمارس عمله، دون تعال واستقواء أيضاً.
 نتذكر عشرات الحالات المشابهة لقضيتنا، نعود وكأننا ندهن على صدأ. فيبقى الخراب مغطى بقشرة رقيقة. ويبقى الجمر في الرماد منتظراً أية هبة ريح؛ ليشتعل من جديد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش