الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دمعة عليها..

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2015. 03:00 مـساءً

نايف النوايسة*
إهداء إلى الأستاذ خالد البرقان

تباطأت خطواته وارتخى جسده، ثم نزّت من جبهته العريضة حبّات عَرَق، انتحى حينذاك إلى بئر قريبة وجلس على حافة بابها الحجري وراح يعبث بالتراب تحت قدمه اليمنى.
كلنا التفتنا صوبه، والتهمناه بعيوننا، سؤال واحد في العيون: ماذا به؟
لم يجرؤ أيٌّ منا على الاقتراب منه وفهْم ما أصابه، كنّا نراقب من بعيد، ونستطلع حقيقة الأمر بعيوننا المتسائلة، التزمنا الصمت تماماً.. باب البئر دفتر قديم يتنهد بسطوره اللامعة من القاع.
قفزتْ من عين فيصل دمعةٌ حارقة استقرت على خده، وراحت تحفر لمعاناً مُغرياً، هرعتُ إليه وجلستُ واضعاً كفيّ على ركبتيه وصوبتُ عينيّ إلى عينيه، كان ينشج بألم وحُرقة.
تيقن لي أن وراء دموع فيصل قصة مؤلمة، لم أسأله، تشرّبتُ ألمه فارتعشت خائفاً، هممتُ بتركه لكنه جذبني من كتفي وأشار إليّ لأجلس، هنا أحسست بحاجته المُلحّة لإنسان ليفرّغ بين يديه من مخبوءة الدفين شحنة ثقيلة.
أعدتُ عينيّ إلى الدمعة المتشبثة بخده، كنت أنتظر فمه لينشق عن كلام، فمه المتيبس يتململ ببطء شديد، عيناه الذابلتان حائرتان فوق وجهي، دمعته تكبر، وصوته المتقطع يتسلل من شقوق فمه.
كلماته الواهنة تنقذف من جوف البئر: فقدناها خلال ساعة، تلك الساعة كانت قيامة بكاملها.
راح يبكي مثل طفل، لم آلف منه هذا، عرفته صلباً صارماً حتى ظننتُ أن هناك جفوةً بينه وبين مشاعره، كان غريباً حقاً، دنا وجهه من وجهي، ثم رمق أصدقائه بنظراته الذابلة فضاقت حوله الدائرة، فمه فوهة بركان: افتقدناها تلك الساعة، كنا كالصرعى في مكان غريب، فتشنا الدار والزوايا التي تُحبُ الجلوس فيها، لم نجدها.
كالعاصفة التي تباغتك فجأة انطلقنا إلى الخارج نبحث عنها، ننادي في الأحواش القريبة والسطوح المتلاصقة، ذهبنا بعيداً إلى الكروم وحقول القمح، نادينا: نهى، يا نهى، يا نهى، أين أنت يا نهى.
لا من مجيب!
قالت أمي المُلتاعة: لعلها نائمة في مكان ما! كلنا استبعد موتها.
الرعب غول أرعن يطلّ من عيون الجميع، جلبة لا مثيل لها في القرية الوادعة، كل الأمكنة التي نتوقع وجود نهى فيها فتشناه جيداً، الصمت بومٌ قبيح جثم فوق الوجوه.
دمعة فيصل تهتز مع كل تنهيدة وتظل متشبثة بخده، يتلفت يمنة ويسرة.
كنت في العاشرة من عمري تلك اللحظة، نهى أصغر مني بأربع سنوات، كانت جميلة جداً مثل لعبة، تعلقتُ بها فتعلقتْ بي أكثر، صرنا روحاً واحدة موزعة على جسدين، في تلك اللحظة القاتلة صرخت: الضبع، هي الضبع التي أكلت نهى، الضبع يا ناس، وأبعدني جدي عن مجلسهم.
قال أحدهم بهدوء: النّوّر! النَّوَّر سرقوا البنت، فهرع الجميع إلى خرابيش النور القريبة، وفتشوها بلا وعي وهم ينادون: يا نهى، اخرجي إلينا، لكن لا أحد يجيب.
تتوارى الشمس بخيوطها المحمرة وراء التلال الغربية، كل الأمكنة فتشناها، دنا احدهم من البئر وأشار إلى فوهتها الصامتة وقال: هنا، هنا!
ضرب فيصل على حافة البئر أكثر من مرة، والتفت مرعوباً إلى فوهتها، وقال: تحلّق الرجال والنساء حول البئر، أمي شبه مجنونة، وقفت عند البئر ونادت، صدى صوتها يلتف على ألسنة الجميع، تفقد أمي وعيها فتسحبها النسوة إلى داخل الدار.
رفع جدي صوته المتقطع: فتشوا عن غطّاس، ندر شاب كالسهم من بين الواقفين وطلب حبلاً وضوءاً، وأنزلوه إلى جوف البئر، القلوب بلغت الحناجر، العيون المتلصصة تجوب صفحة الماء الملتمعة وكأنها تتوقع شيئاً مؤلماً، البئر اللئيمة تخفي أسرارها، أبي الملهوف يرفع كفيه للسماء ويجهر: يا رب، النساء يبكين بجزع.
الشاب في أعماق البئر أملٌ منتظر، صوت الماء يحرّك الفضول، الكل يتلهف لشيء سار، ينادي الشاب: انشلوني.
وجهه كالح، ممتقع، عيناه تدمعان، بين يديه طائر ميت، ويصرخ بكل جسمه: لم أجدها، وينسحب فوراً وهو يقول: فتشوا في مكان آخر.
احتار الناس وكان الهلع سيد اللحظة، نظرات جدي شككت في كلام الشاب فقال: يا رب حيّة أو ميتة، المهم أن نجدها، يبتعد الناس عن البئر، بعضهم غادر، وبعضهم أبقاه الخوف والحيرة قرب دارنا، الظلمة تزداد، صمت مطبق يخيم على المكان، ونهى سرٌّ من الأسرار.
عاد الشاب خلسة، كان جدي يحملق بالبئر بعدوانية، اقترب الشاب من أبي وأمسك بيده وجرّه وهمس بإذنه، رجعا سريعاً إلى البئر، الشاب يتأهب للنزول مرة أخرى، دموع جدي تختلط بتنهيداته، والدي يشد الحبل جيداً، اقتربتُ من جدي وأمسكت بيده فضمني إلى صدره، نادى الشاب: انشلوني.
وجه نهى ناصع البياض، ملائكي القسمات، شعرها مبللٌ بالماء، فستانها الأصفر يلتف حول جسمها فيزيدها بهاءً، رأسها يتأرجح على ساعد الشاب، صرخت بشدة: أختي نهى، حاولت الوصول إليها، فأمسكني جدي بقوة، انقضّتْ أمي مثل نيزك وخطفت نهى من بين يدي الشاب ودخلت بها غرفتها وحضنتها بشدة، كانت أمي صامتة تماما، اقتربت من أمي وارتميت على كتفها وطالعت وجه نهى، عيناها الخضراوان فيهما بقية نداء، سحّتْ دموعي بلا استئذان.
الناس حلقة من الدموع والنشيج، جدي بقي عند البئر يداري دمعاته، والدي أخفى وجهه بجدار دارنا وراح يتنهد دون توقف.
أغمض فيصل عينيه وبكى بألم، الدمعة المفترشة على خده تسحّ إلى أسف ذقنه، أشبك أصابعي بأصابعه وأشدّه ليقف، كان منهكاً ونحن نغادر البئر، عيناه الدامعتان لم تبارحا فوهة البئر.

* أديب وباحث من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش