الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

موارد بشرية أم قنابل موقوتة ؟!

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأربعاء 30 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 1901

في مناطقنا الريفية ثمة معاناة ثقافية وفي مجتمعنا كله تقريبا؛ سببها تواضع اطلاع الناس وعدم توفر المعلومة لهم، أو أنهم ورغم وعي الكثيرين منهم، فإنهم في النهاية يحتكمون لثقافة عامة تقلل من خياراتهم في الحياة، فتجد مثلا شخصا فكّر في تنمية موارده المالية وأنشأ مشروعا صغيرا يعتاش منه، لا يلبث سوى أيام أو أشهر، ليجد أن مليون واحد فتحوا نفس المشروع.. تماما كما يفعل الطالب متواضع القدرات حين ينشط عقله بكفاءة مثالية (بشتغل عقله بنسبة 99 ٪) حين يريد الغش في امتحان كي ينجح، بينما هو في الحقيقة لو قام بتشغيله للدراسة والمتابعة بنسبة 40 ٪ لكان -ربما- من المتفوقين على اقرانه الذين يحاول الغش منهم..لماذا لا نملك القدرة على المبادرة والابتكار؟ ولماذا لا تعمل في مجتمعاتنا قاعدة «الحاجة أم الاختراع»؟!.
التقيت برئيس ديوان الخدمة المدنية الدكتور خلف الهميسات، وقدم لي معلومات وأرقام صادمة، تستدعي أن تقوم الدولة فعلا بإجراء ما يشبه العملية الجراحية الشاملة، لتتخلص من فائض الأرقام المتجهة للبطالة ولإنتاج الأزمات، وتكريس حياة الفقر والعدمية وقيادة المجتمع والدولة نحو الهاوية..
يتحدث الدكتور الهميسات عن الكشف التنافسي التجريبي، الذي يتم إعداده سنويا ويتمخض في النهاية عن تصنيف وترتيب دقيق لأسماء المتقدمين لطلب الوظيفة الحكومية، وجميع من تخرج من الجامعات أو الذين حازوا مؤهلات ما وبحثوا عن وظيفة حكومية، كلهم يعرفون الأدوار والترتيب والنقاط..لكن ما لا يعرفونه متعلق بفرصهم في العمل خلال حيواتهم المتوقعة، ومتى سيحصلون فعلا على وظيفة حكومية، ومما لا يعرفه الناس :
أن 388.861 هو عدد المتنافسين على الوظائف الحكومية، وهو رقم يزداد كل عام زيادات فلكية مقارنة مع عدد الوظائف التي توفرها الدولة بناء على حاجتها وعلى موازناتها، حيث معدل الوظائف التي تقدمها الدولة سنويا لا يتجاوز 8 آلاف وظيفة في أحسن الأحوال وهو رقم يتناقص بالطبع بناء على حاجة الدولة الفعلية، فرقم 338 ألف متنافس على الوظيفة العامة يحتاج إلى أكثر من 40 سنة كي يتم تعيينه في الوظائف الحكومية، وبغض النظر عن حقيقة أن جامعاتنا تقدم لنا سنويا خريجين يحملون شهادة البكالوريوس وعددهم 80 ألف خريج (بغض النظر عن حقيقة تزايد عدد السكان والمواليد)، أي أن وظائف القطاع العام السنوية تشكل فقط نسبة 10 ٪ من عدد خريجي الجامعات، غير محسوب معه حملة شهادات الدبلوم وحاملي الثانوية والآخرين فهم يفوقون 80 ألف سنويا.. يعني بعد 40 سنة سيصبح عدد الواقفين بانتظار الوظيفة الحكومية يحسب بالملايين (إذا عاشوا وكانوا من الحيين) !! وهذا يدفعنا للقول : وين رايحين؟ شو بتستنوا؟..سؤال موجه للدولة الأردنية كلها وللمواطنين الباحثين عن فرصة للحياة.
إن لم تكن هذه ظروف مثالية لإنتاج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فماذا يمكننا تسميتها إذا؟
يصدر ديوان الخدمة المدنية دراسة سنوية حول هذه الأرقام، وحول التخصصات والمؤهلات التي يحملها المتنافسون، وتقدم تلك الدراسة الى كل مؤسسات الدولة وللباحثين وأصحاب الاختصاص في علم الموارد البشرية وقطاعات الاستثمار المختلفة، لكن لا استجابة فعلية من أي طرف، لا سيما مؤسسات التعليم الأساسي والعالي، فتوصيات ديوان الخدمة المدنية بشأن التخصصات الراكدة والمشبعة لا يتقيد بها او ينتبه لها أحد في التعليم، حتى تلك التخصصات التي لن يكون هناك خلال الـ 20 عاما القادمة فرصة عمل واحدة لمن يحملونها، لا في القطاع العام ولا في الخاص، ومع ذلك تستمر جامعاتنا ومختلف مؤسسات التعليم باستقبال عشرات آلاف الطلبة سنويا لدراسة هذه التخصصات.
يقول الدكتور الهميسات: المعادلة مقلوبة تماما في بلدنا من ناحية الحاجة الفعلية والمنطقية من التخصصات الأكاديمية والمهنية، فالنسبة الطبيعية أن يتوجه 80 ٪ من خريجي المدارس للدراسة والتعلم في المجال المهني، و20 ٪ الى التعليم الأكاديمي، بينما ما يحدث عندنا معكوس، حيث 80 ٪ يتوجهون للدراسة الأكاديمية، و20 ٪ الى التعليم المهني..»شو بدكو أحسن من هيك!!»
الأرقام تتحدث عن الوضع الخطير وعن نفسها وعن طبيعة تفكير «عقل الدولة ومجتمعها»، فهل هذه موارد بشرية أم قنابل موقوتة؟.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش