الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الموت افتراضيًا

إسماعيل الشريف

الأحد 27 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 119

النعي على الإنترنت يطيل من ذيل الحزن قليلا – مولي كالان، باحثة اجتماعية
أشباحهم تطاردني، أراهم يوميا، أحادثهم، أشتاق إليهم، أرسل لهم الرسائل، أحس أحيانا أنهم يرسلون لي إشارات من عالمهم، أشعر بأنني على حافة الجنون!
تشير التقارير أنه ما بين الأعوام 2065 و 2098 ستكون الملفات الشخصية (بروفايل) الخاصة بالأموات أكثر من الأحياء، فكل يوم يرحل قرابة عشرة آلاف من مستخدمي فيسبوك، مما سيجعل فيسبوك أكبر مقبرة افتراضية مسكونة بالأشباح.
أصدقائي الأشباح أراهم يوميا، يقفزون أمامي مع كل طلب صداقة جديد، ويذكرونني بأعياد ميلادهم، أو الاحتفال بصداقتهم، أو اقتراح دعوتهم إلى حدث خاص، أو وضع بطاقة أسمائهم على صور يظهرون فيها.
هذا هو الموت الافتراضي، أو لعله الخلود، موت يتكرر كل يوم وحضور دائم، واجترار للحزن الصعب القاسي. كل ما كتبناه، صورنا وخلجات أنفسنا، ستبقى، وستشاهد وستقرأ، سنلج إلى صفحاتهم وسيعود حزننا، وسنرسل لهم وجها باكيا ووردة وشمعة، وسنحيي ذكرى موتهم.
حين يموت الإنسان عادة ما يتم التخلص من جميع ممتلكاته، ويترك عادة شيء بسيط للذكرى، ومع الوقت سنفقد هذا الشيء وتبقى الذكرى في وجداننا، وسنتساءل إن كانت الذكرى حقيقة أم نسج من خيال، وسنحتفظ ببعض الصور في الدرج الأخير تحت كم كبير من الأوراق، قد نستخرج هذه الصور وننفض الغبار عنها ونتذكر أحبتنا، ثم نعيد كل شيء إلى ما كان عليه.
هكذا الموت غدا موتين، موتا حقيقيا، جثة وشاهدا وعزاء ودموعا تبلل الخدود، وموتا آخر افتراضيا، تحفّه رموز تعبيرية باكية وعبارات على خلفية سوداء وشموع افتراضية، الفرق أننا في الحقيقة نحاول نسيانه والاستمرار في الحياة، أما في العالم الافتراضي فالحزن يستمر، ولا سبيل لنا لتجاوزه، سيبقى حاضرا أمامنا يوميا بكل تفاصيله الرقمية.
من الذي يجرؤ أن يضغط على أيقونة المنع ( البلوك ) لميت!
الموت على الانترنت صعب وقاس وفج، لن ترى وجه الذي يبلغك، لن يحضنك لتبكي على كتفه، لن تتشابك الدموع، سيرسل لك رمزا تعبيريا دون أن تعرف المشاعر الحقيقية التي يخفيها، فعيونه وقسمات وجهه لن تراها أبدا.
أصبح للموت كما للحياة مواقع متخصصة به، تتم فيها طقوس الجنائز والتعزية الافتراضية، وهنالك مقابر افتراضية حيث يمكن للمعزين إشعال البخور ورش الماء بشكل افتراضي، وهنالك موقع في الولايات المتحدة عبارة عن قاعدة بيانات لجميع شواهد القبور، وهنالك عشرات المواقع القائمة على صفحات تذكارية للأموات تُترك فيها تعليقات وصور وشموع.
ولأكون منصفا، فالانترنت سهل حياتنا في جميع محاورها بما في ذلك الموت، فبفقداننا أحد الأحبة تنهال علينا مشاعر المواساة مما يخفف أحزاننا، حدثي صديقي المقيم في أستراليا أنه شارك في جنازة أبيه في سحاب، لبس السواد والشماغ، ومشى مع الناس ووارى أباه التراب وتقبل العزاء، كل ذلك تم من خلال هاتف ذكي وخط انترنت، ويصف صديقي هذا تجربته بأنها خففت كثيرا من وحدته في بلاد المهجر.
ما زلت أحادث أصدقائي الأموات على شاشتي، وأنا أضرب المفاتيح صفر واحد صفر واحد، وما زالت صورهم وتاريخهم يطاردني.
أوصيت عائلتي حين موتي أن يشطبوا بروفايلي على فيسبوك، فأنا أريد أن أحظى بموت كلاسيكي حقيقي، ورغبتي هي أن تنتهي حياتي الافتراضية بموتي.
رحم الله جميع أحبتنا الذين فقدناهم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش