الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجدل

إسماعيل الشريف

الأحد 20 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 120


(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)– 54 الكهف
رحمك الله يا أبي، بعد كل هذه السنوات على رحيلك ما زلت أتعلم منكم، صورتك حاضرة في ذهني هذه الأيام وأنت تقرأ في فراشك وحولك عشرات الكتب والمراجع، وعندما لم تكن تقرأ في الفراش كنت على متن طائرة للمشاركة في أحد المؤتمرات الحوارية في أصقاع العالم، فقد كنت تؤمن بالحوار لإنهاء أي خلاف ولتقريب وجهات النظر، إلا الاحتلال الصهيوني فالحوار معه لا يكون إلا بالسلاح.
كنت تحاور أكبر العقول وأهم الفلاسفة وهذا يحتاج إلى عقل نير وسعة اطلاع وثقافة عالية وفن وذكاء اجتماعي وفراسة، معقول أن تجتمع كل هذه الصفات في إنسان؟
ومع هذا كنت لا تبخل في حوارنا، ومع جهلنا وضحالة فكرنا كنا نجادلك إلى أن تطأطئ رأسك وتبتسم وتقول يجوز! الآن يحضرني قول الشافعي، وينسب أحيانا لسيدنا علي بن أبي طالب، ما جادلت جاهلا إلا غلبني وما جادلت عالما إلا غلبته، وتحت سحر ابتسامتك فككت شيفرة ذلك القول وأستطيع أن أفسره الآن، «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما».
أتذكر علمكم وثقافتكم وأنا أرى أنصاف المثقفين الذين لا يملون الجدل لأجل الجدل، أحيانا بطريقة تفقدهم إنسانيتهم، فمن أجل إثبات وجهات نظرهم قد يستخدمون أقسى العبارات الجارحة وقد تصل للشتائم وتسفيه الرأي المقابل.
حدثتني مرة بقصة تقول أن طالبا ذهب إلى معلمه حزينا وشكا له: أشعر بالارتباك فالنعاس يغشاني ولا أستطيع التركيز فجافتني القدرة على التركيز والتأمّل، أجابه معلمه لا تقلق فالأمر سينتهي قريبا، بعد أسبوع عاد الطالب سعيدا وقال له إنني أشعر بالسكينة وعلى درجة عالية من الوعي وقدرتي على التركيز رائعة، أجابه المعلم لا تقلق فالأمر سينتهي قريبا.
لم تفسر لي فلسفة القصة ولم أسألك حينذاك، واسمح لي أن أعرض تفسيري الآن!
تعلمنا هذه القصة من وحي تعاليم زن أن كل شيء يتغير، بما في ذلك آراؤنا التي نموت في الدفاع عنها، نريد دائما أن نكون على صواب وجلّ ما نخشاه ألم المعرفة بأننا كنا على خطأ، فهكذا تربينا في بيوتنا أن الغبي هو من يخطئ، نحاول دائما أن نثبت للآخرين أننا على صواب فنحن أذكياء.
وأدى ذلك إلى البحث وتصيد أخطاء الآخرين بدلا من القبول بأخطائهم، وستتوقف أذنك عن الاستماع لأن إيمانك المطلق بأنك على صواب يمنعك من محاولة فهمهم والشعور معهم، ستفترض أنك تحتكر الحقيقة وستفترض أن الطرف المقابل جاهل ثم ستسمهم بالبلاهة، ولا شك بأن خوفك من أن تكون على خطأ سيضعك تحت ضغط إضافي لتبرير أفكارك.
عليك أن تفاضل بين أن تكون إنسانا وأن تكون على حق دائما، عندما تتقبل نفسك وتعترف بضعفك ستبني عقلا قابلا للتعلم وسيفتح لك آفاقا جديدة للمعرفة.
يقول بوذا لسنا بحاجة إلى عقل يتكلم، بل إلى قلب صبور يتحمل.
أبي هأنذا أحاول تلمس خطاك فغدوت شبه فيلسوف أو متفلسفا!
أبي في ذكراك الحادية عشرة أقول رحمك الله فما زلت المعلم الأول لي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش