الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السحر الحلال

لؤي طه

الأحد 28 حزيران / يونيو 2015.
عدد المقالات: 29

كما أنك ترتب شكلا للقاء وتختار له الزمان والمكان، وتذهب إلى أفخم محل للورود لتنتق باقة أنيقة تعبر بها عن حجم ذوقك، واهتمامك بمن ستجالسه على طاولة مستديرة بأغطية ناعمة وأضواء تبعث إلى الهدوء. ترش من حولها العطر الباذخ قطراته هي السفير الذي يترجم جمال روحك؛ عليك أن تنتقي كلماتك وتختار أجمل ما في قواميس الكلام تهديها لهذا الآخر الذي يقاسمك الأرض وتتشارك معه تفاصيل الحياة.كل سحر يُمارس على الإنسان هو حرام وتتنكر منه الأرض والسماء إلا سحر الكلام وبهاء التعامل تعشقه الملائكة ويُكتب في الصحف أنه السحر الحلال.
يتوهم البعض عندما يعتقد بأن سحر البيان ولغة الجمال هي حكر للشاعر والأديب وبأن التعبير الرقيق ليس من ضمن اختصاصه. ومن المؤسف عندما يستسلم ويلقي رايته ويقول: أنا لست شاعرا لكي أرد عليك بالكلام الجميل؛ ولا ينتبه بأن القواميس لم تخلق لتكون في متناول الشعراء ولا الأدباء فقط، وجمالية الحوار ليست مادة في دستور الحياة خُصصت لثلة من البشر وأعفي منها الباقي.
من أكثر أسباب الخلافات التي تقع على الأرض ما بين البشر تكون في سوء اختيار المفردة، وسوء اختيار التوقيت لها؛ ما يؤدي إلى إثارة الجدل الفارغ حين يتحول إلى فوضى وصخب وقد يمتد إلى أكثر من ذلك ويتحول إلى تجريح وإهانة لمشاعر الآخر، عندما لا نملك القدرة والمعرفة الكافية على انتقاء الكلمة المناسبة وحيننتطرف ونتعصب لرأينا ونقف في صف الكلام القبيح مع الظن بأن الانتصار يحدده كمية الكلام الجارح.
خُلق الناس وهم مختلفون باللون والشكل والعقيدة والدين وهذا الاختلاف هو أمر حتمي وطبيعي، طالما أننا لم نكن الذين خلقوا أنفسهم واختاروا ألوانهم ولا ديانتهم يكون علينا أن نتقبل هذا الاختلاف ونتعامل مع الآخر المختلف بكل ذوق، وعلينا عندما نحاور هذا الآخر نحترم ديانته وعقيدته وإن لم تكن تتقاطع مع ديانتنا ولا معتقدنا، ولو تصفحت الإنجيل والتوراة وصولاً إلى القرآن الكريم لن تجد آية ولا سورة أو نصا يدعو إلى التقليل من شأن الآخر المختلف بل ستجد العبارات التي تحض وتدعو إلى المحبة والسلام:
 ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))
((اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ))
((أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا،لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ))
((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ))
ولو مسحت برفق على جسد حيوان لوجدته وقد صار ليناً رقيقاً يمسح فروه بخيطان كفك مثل طفل صغير. ولو رششت الماء على نبات أنتعش وارتعش وكأنما يبادلك الحنان بجمال أوراقه اللامعة عربون محبة منه لرأفتك به. فكيف لو غمرت الآخر بروعة المعاملة وهمست له بكلام يذيب الحجر سيصغي إليك رغم الاختلاف ما بيتكما.
وأنت تتأمل فيما يحدث الآن من صراعات ونزاعات مذهبية وطائفية لاكتشفت بأن الشرارة التي أحرقت حقول السلام كانت من جراء كلمة أو شتيمة أو تقليل شأن واستهزاء بعقيدة. نحن في هذه الأزمة التي أشعلنا بها أوطاننا كنا ولم نزل نفتقر لجمال الكلمة وحسن الانتقاء للعبارات التي من شأنها أن تطفئ النار المستعرة.
ما بين مؤيد لطرف من الأطراف وما بين معارض أضعنا أجمل ما نملك وهو الوطن وعندما يضيع الوطن يضيع الحب وينتهي السلام وتعم الفوضى والحرائق. وما بين متعصب لعقيدته ومتطرف لمذهبه أثخنا الجراح في أجساد بعضنا البعض. لا يتصور أي طرف من الأطراف المتنازعة بأنه المنتصر وإن كان حقاً هو المنتصر. لا معنى لنصر يكون على حساب الأبرياء وقهر الأمهات وتجويع الأطفال وتهجير السكان.
مدوا أصابع عقولكم وتناولوا الجميل من الكلام، كونوا السحرة الأنقياء والذين لهم التأثير الإيجابي والجميل، إن الكلمة الطيبة النابعة من الأعماق والتي تحمل اليقين والرغبة في التسامح والسلام لها أثر السحر المبين.
قوموا من غفلتكم وتعصبكم ومدوا أيديكم للمصافحة وتعانقوا وتعايشوا مع الآخر على أنه توأمكم ونصفكم الذي به يكتمل شكل الجمال.
نحن لم نر الله جهرة لكننا نشعر به ونؤمن به، من كلامه البليغ في كتبه المقدسة فمن خلال الكلمة التي هي روح الله صار الوجود إن الأنبياء جاءوا يحملون رسالة السماء كلمات تسحر العقول قبل القلوب فأكملوا دور الأنبياء وكونوا رسل محبة وسلام بكلماتكم المغمسة بالصدق وعطر التسامح.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش