الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وأخيرًا هاجر سدير..!!

حسين الرواشدة

الثلاثاء 15 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 2454

واخيرا حزم «سدير»حقائبه وسافر بعد رحلة طويلة من البحث عن عمل - اي عمل -، وقد سبقه اخوه الاكبر» سيف « قبل سنوات للهجرة من اجل العمل قي احدى الدول المجاورة، صحيح انني سعيد وانا اراهم يشقون طريقهم نحو تأمين مستقبلهم، لكنني اشعر «بالحزن» على بعدهم، واشعر بالمرارة على ان بلدهم حرم من طاقاتهم وطاقات غيرهم من الشباب الاردني المبدع.
كانت قصة سدير مليئة بالتفاصيل، فقد اختير من بين مئات الطلبة في احدى المدارس التي تستقطب الطلبة المبدعين، ثم حصل على معدل متقوق في التوجيهي ودرس الهندسة في جامعة لم يكن لديه رغبة في الدراسة فيها، فيما حاز بعض زملائه الاقل منه معدلا على فرصة تعليم افضل ثم على فرصة عمل فور تخرجهم من الجامعة ( بفعل الواسطات والاستثناءات)، واثناء دراسته استقطبته احدى الجامعات الامريكية في بعثة لمدة عام، ثم تخرج و انسدت امامه ابواب اكمال التعليم والعمل معا، بدأ يبحث عن فرصة في الخارج فحصل اخيرا على قبول من افضل الجامعات البريطانية ثم على بعثة كاملة (من بين نحو 66 الفا تقدموا لها ) لاكمال دراسته العليا هناك.
اتذكر الان حين فاتحني سدير فجأة قبل شهور قائلا: قررت يا ابي أن أهاجر إلى الخارج، لم يخطر في بالي - بالطبع - أن أصدمه بالرفض، ليس فقط لأنني أريد أن يبقى الى جواري ويساعدني ( وقد استنفدت طاقة عمري) على الحياة، وانما لأنني أدرك تماما ان جيل اليوم - على خلاف جيلنا - كسر عصا «الطاعة» وتمرد على كل سلطة، لذلك حاولت ان استدرجه لمعرفة دوافع هذا القرار، فلم يتردد عن تذكيري بكثير مما أعرفه عن «حيرة» الشباب اليوم، وحالة الاحباط التي اصابتهم بعد ان انسدت أمامهم فرص التعليم والعمل وافتقدوا الإحساس بالعدالة.
 قال لي: تصوّر، احد زملائي قرر قبل سنوات ان يدرس في الخارج، وفعلا حصل على قبول في احدى الجامعات الامريكية لدراسة الهندسة، ودون أن يكلف والده قرشاً واحداً، انهى دراسته وهيأت له الجامعة منذ السنة الاولى فرصة للعمل، كما منحته فرصة اخرى لإكمال دراساته العليا، ولا تسأل عن الراتب الذي يتقاضاه فهو عشرة اضعاف ما يتقاضاه زملاؤه في بلدنا.
في دائرة «القرابة» الضيقة أعرف اكثر من عشرة شباب «مبدعين» قرروا الهجرة للتعليم ثم اقاموا هناك، احدهم تخرج قبل في جامعة «مايوكلينك» بدرجة دكتوراه في جراحة الأعصاب، وآخر يعمل طبيباً في احد المستشفيات البريطانية المشهورة، وثالث يعمل في مركز للبحوث الفضائية.. وغيرهم ممن لا اتذكرهم الآن، لكن اغلبيتهم لا يفكرون بالعودة، وقد أسسوا لحياتهم ومستقبلهم هناك، وحرمنا -للأسف- من ابداعاتهم ومن خبرتهم، ولا يمكن لأحدنا ان يلومهم، لأن اجابتهم ستكون عندئذ حاضرة وقوية، وهي: لو وجدنا في بلادنا فرصة للعمل وحاضنة لتطوير مهاراتنا وراتبا مناسبا، هل يمكن ان نختار «الغربة»ونبتعد عن اهلنا ووطننا؟
لا شك ان نسبة هجرة الاردنيين في الأعوام الماضية تصاعدت، فيما تصاعدت ايضا اعداد «الكفاءات» الاردنية سواء الطبية او الهندسية او الجامعية التي قررت «الهروب» بحثاً عن عمل في الدول العربية المحيطة، في الوقت الذي يستقبل بلدنا «أوسع» عمليات التهجير القسري، بسبب ما يحدث حولنا في سوريا والعراق، وقبلها فلسطين، وفي الوقت الذي يشكل فيه العرب والمسلمون نحو 65 % من نسبة المهاجرين في العالم.
 وفيما قدرت وزارة العمل الاردنية ان ثلث الأردنيين تقريبا يرغبون بالهجرة، فان الاحصائيات تقدرعدد المغتربين الأردنيين في العالم بمليون شخص، نصفهم من القوى العاملة، والاخطر من ذلك ان تقرير نشر في احدى صحفنا اليومية اشار الى ان الاردنيين انضموا الى مواكب الهجرة غير الشرعية ايضا.
 احد فقهائنا اعتبر أن «المساكين» الذين اشارت اليهم آية «الصدقات» ليسوا من لا يملكون المال للنفقة على انفسهم، بل ايضا الذين لم تتوافر لهم «الحرية» لإعمال عقولهم وممارسة حياتهم، وهؤلاء - كما ذكر - يستحقون الزكاة، واكاد اضيف  أن الشباب اليوم من طبقة «المستضعفين» الذين يتوجب «الجهاد» من اجلهم، ودفع الزكاة لهم، واعجب كيف نغمض عيوننا على هؤلاء الذين يشكلون «مستقبلنا» وكيف نتركهم يقفون بـ»الطوابير» امام السفارات للحصول على «فيزا» هجرة .. دون ان نسأل انفسنا: لماذا فعلوا ذلك، ولماذا قصرنا بحقهم، وكم نخسر بهجرتهم؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش