الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كيف يعمل هؤلاء المسؤولون؟!

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الاثنين 14 كانون الثاني / يناير 2019.
عدد المقالات: 1967

كان لدينا في القرية صديق حديث عهد بالتجارة، نمضي ساعات اليل الأولى حتى نصفه في «دكانته»، ندخن، ونتحدث في الشؤون العامة، وكان على الدوام يشتري لحما بلديا ويطبخ مناسف في بيته، يحدثنا عنها بإسهاب، وحين نتحدث في أمور إدارة المحل و «المال»، كنا نخلد الى فكرة واحدة بخصوص تجارة الصديق ( هو يعتقد أن كل الذي يبيعه ربح صافٍ)!..لذلك يقوم «ببعزقة» رأسماله على المنزل والأطفال، وأصبح يحتار في توفير القسط الشهري المستحق عليه، سدادا للقرض الذي اقترضه من إحدى المؤسسات، ويتأخر في دفع أجرة المحل، ورويدا رويدا أصبحت رفوف البضاعة فارغة..ولم يلبث طويلا في المجال، حتى غادره، وأصبح (يحرث على الديك)، تحت وطأة الالتزامات الصغيرة التي أصبحت بالنسبة لمواطن مديون، مستحيلة..وسمعت بأنه أقنع إخوته «الورثة» ببيع الدار الكبيرة القديمة، للخروج من الأزمة و»الفضايح».
هل يختلف حال مؤسساتنا الحكومية عن وضع التاجر المذكور؟!.
في أهم القطاعات، كالقطاع الصحي مثلا: أطباء الإختصاص ندرة؛ فلا رواتب ولا حوافز مجزية في وزارة الصحة لمثل هذه الكفاءات، مقارنة بالقطاع الخاص، ولا يمكنهم «دفن» كفاءتهم في مستشفيات الحكومة، والانتظار الموجع تحت سياط العمل المرهق وقلة الدخل وكثرة المراجعين ومزاجيتهم، وتواضع التجهيزات، بينما هم أمضوا أكثر من نصف أعمارهم في الدراسة والبحث والانفاق على أنفسهم كي يبلغوا هذا المستوى من المهنية والكفاءة.. والمؤسسات الصحية العامة نفسها تعاني من قلة المال، فديونها في ذمة الحكومات مرتفعة جدا ولا سداد من قبل الحكومة وغيرها، وثمة مستشفيات تابعة للجامعات (مستشفى الجامعة الأردنية مثالا)، مؤسسة قديمة تزخر بالكفاءات وهي بيت خبرة أردني كبير، فيه مختصون في كل شيء، ترفدهم كليات طبية وصحية قديمة وقديرة وهي العلامة الفارقة في الجامعة الأردنية، وهو مستشفى يمكنه القيام بدوره وتغطية التزاماته لولا الديون المترتبة على الحكومة وغيرها لصالحه، الأمر الذي جعله في وضع يشبه وضع التاجر المذكور في المقدمة..لا يلوي على تقديم خدماته بشكل سلس.
ديونه في ذمة الحكومة وغيرها أكثر من 120 مليون دينار، وذمته مشغولة بديون تناهز 50 مليونا للجهات الأخرى التي تزوده بالأدوية وسائر المستلزمات الطبية، وهو بالكاد يسير في عمله، والفاتورة تزداد سواء على صعيد ديونه في ذمة الحكومات والجهات الرسمية، أو على صعيد الديون المترتبة في ذمته للجهات التي تزوده بالمواد الأولية والعلاجات والتجهيزات..والأمور تزداد تعقيدا إن لم تقم الحكومة وغيرها بدفع التزاماتهم لهذا الصرح الطبي الأكاديمي الكبير، ولغيره بالطبع.
نافذة التمويل الأهم بالنسبة للأردن، هي المنح والدعم الخارجي والقروض، وإن قلنا بأن الاقتراض خطوة غير عملية ولا تحل مشكلة، فيبقى الدعم القادم على هيئة منح ومساعدات ومشاريع مدعومة من الجهات الدولية المختصة، حتى هذا الباب غير مفتوح بشكل مناسب بالنسبة للمؤسسات المختصة، حيث تكثر الجهات الرسمية التي تتدخل بالدعم القادم من الخارج، كوزارة التخطيط وغيرها من الوزارات واللجان والهيئات والمؤسسات ..وأغلبها تفتقر الى مختصين لتغطية كافة القطاعات، فمشروع مدعوم من الخارج في مجال صحي مثلا، يتطلب أن يتواجد مختصون بين الجهات المسؤولة التي لها علاقة بإقراره وتنفيذه، ناهيكم عن إدارة غير مفهومة للمنح والدعم الخارجي، يمارسها موظفو الجهات الدولية المانحة، فهم موظفون عاديون، بعضهم أجانب، لا يعرفون عن البلاد وقطاعاتها ما يعرفه المختصون المسؤولون الرسميون، علاوة على أن نسبة كبيرة من موازنات المنح الخارجية يتم اقتطاعها لصالح هذه الجهات الدولية، باعتبار أنها تقوم بإدارة المنح وجمعها من الدول المانحة، حيث قد يتم اقتطاع 60% أحيانا من قيمة الدعم الخارجي لصالح الهيئات الدولية المشرفة على توفير الدعم وانفاقه !
مؤسسات مديونة، وديونها في ذمة الجهات الرسمية «ميتة»..فكيف يقوم المسؤولون عنها بإدارتها في ظل هذا المشهد المتداخل؟!.
ربنا سبحانه هو الأعلم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش