الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثلج وعلف ..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2018.
عدد المقالات: 1995

لم أرصد بعد صفات العام الذي يبدأ وينتهي باللون الأبيض، ربما لا فرق بينه وبين أي عام آخر، لكن بياض الثلج يحيي الأمل في النفس، ويعيدنا الى حالة من فرح طفولي، يصدح بالذكريات البريئة ..
تتردد أخبار الثلج على طريقة انتشار الإشاعات، التي لا تلبث طويلا إلا وتدحضها الحقائق، وأتمنى لو يفرح الناس باللون الأبيض مع بداية العام الجديد، علما أن لا أخبار عن منخفضات قطبية حتى اليوم، ولا ثلوج في الأفق القريب، أما عن الموسم المطري فهو مبشر؛ هذا هو شعوري وتوقعاتي الشخصية للعام الجديد، ومع المطر والماء تنبعث الحياة في كل الأشياء، وتتسع مساحة الأمل لدى كل الناس، لكنها تكون شاسعة عند المزارعين الحقيقيين، لا سيما الذين يعتمدون على الثروة الحيوانية، ويملكون قطعانا أو رؤوسا منها، فهم أسعد ما يكونون حين تبشرهم بربيع جيد، وبحكم خبرتي «كراعي غنم وغيرها»، كنت أشعر بسعادة غامرة حين أرى المواشي تأكل العشب الأخضر، وتنتفخ بطونها الى الدرجة التي تبدأ معها «تتعفف» عن الرعي، وقبل المساء بقليل تنتفخ ضروعها، وتبدأ بإطلاق النداءات شوقا للعودة «للمراح» كي ترضع صغارها، كنا نستمتع بسيمفونية النداءات إذ تنطلق من مختلف كائنات المزرعة السعيدة وقت الغروب والفجر، وترى عندئذ المواليد الجدد تتقافز بإثارة كبيرة بحثا عن أمهاتها لتتغذى، تشق الأفق بثغائها وخوارها وصهيلها، وأصوات الرعاة تتخللها بنداءات «تنظيمية» لهذا الطابور الحيوي المنفعل .. حتى حين «نشق» على القطيع ليلا، نستمتع بمشاهدة الأغنام «هاجعة»، و»تجترُّ» ما خزنته في النهار من خير الأرض وبركتها.
لن أتحدث عن أخبار المنخفضات القطبية وما تفعله بكثير من سكان المدن، وتهافتهم على المخابز وسائر أنواع الطعام والشراب، فهو موقف بشري مناقض تماما للحديث عن الربيع؛ فهو موسم تنتظره الكائنات الحية كلها، لكن الأغنام والمواشي «حتى البريّة منها» تنتظره كما ينتظر الصائم وقت الإفطار، فكل أنواع العلف التي تأكلها المواشي خلال العام، لا تكافىء ما تأكله يوما من أيام تناولها العشب في فصل الربيع..
الحكومة أيضا «ترعى» شؤون الدولة بقطاعاتها المختلفة، ولا بد هي تتمنى موسما مطريا حافلا بالخير على البلاد، وتولي الزراعة جل اهتمامها، وتنظر الى قطاع الزراعة باعتباره القطاع الذي يحتل المرتبة الأولى في الناتج المحلي الاجمالي، وعن الثروة الحيوانية والأعلاف نتحدث، ونقول  بأن الحكومة تدعم الأعلاف، وتقدمها للمزارع الأردني من مربي المواشي بسعر يقل عن السعر العالمي بنسبة الربع أو الثلث (في الشتاء تدفع الحكومة 210 دينار للطن الواحد من الشعير، وتبيعه للمزارع 145 دينار في الفترة ما بين 11-2018 وحتى 3 – 2019 ، بينما في الربيع والصيف تشتريه 210 دينار للطن بينما تبيعه للمزارع 175 دينار ثمنا للطن الواحد من 4 – 2019 حتى 11 – 2019 ، وتشتري الحكومة النخالة بسعر 140 دينار للطن، بينما تبيعه للمزارع 77 دينار، وهذه ارقام تكلف الحكومة ما قيمته 19مليون دينارا سنويا)، وهي حتى حين تقوم بشراء المحاصيل الزراعية المحلية من القمح والشعير، فهي تدفع للمزارعين زيادة على السعر العالمي تناهز الخمس تقريبا، ومع هذا تجد من يشكو تخلي الحكومة عن المزارعين، ومن يطلق الاشاعات بأن الحكومة: تنوي او تريد او تسعى او تتوجه للتضييق على المزارعين، لا سيما مربي المواشي، برفع أسعار الأعلاف أو تعويمها، وتنسى أو تتناسى الحقائق المذكورة آنفا، والتي تقوم بها وزارة الصناعة والتجارة كل عام، تشتري الحبوب من المزارعين بسعر أعلى من السعر العالمي، وتبيع الأعلاف لمربي الثروة الحيوانية بسعر أقل من السعر العالمي متحملة الفرق في السعر.
بعض الاجراءات التي تقوم بها وزارة الزراعة تتعلق بتقنين صرف هذه الأعلاف المدعومة، حيث تقوم بإجراء تعداد للثروة الحيوانية، وتحديد «الحيازات» لدى كل مزارع، وتصرف لمواشيه أعلافا تكفيها، وأغلب الإشاعات والدعوات والأخبار المتداولة بهذا الشأن والتي تشكك في التزام الحكومة بدعم الثروة الحيوانية، تنطلق من بعض الذين لا يريدون تقنين هذه العملية، لأنهم يأخذون أعلافا مدعومة ويبيعونها في السوق السوداء، فهي كميات فائضة عن حاجتهم الفعلية، أو هم غالبا لا يملكون أي رأس من الأغنام والمواشي الأخرى، فيأخذون أعلافا مدعومة من الحكومة ويتاجرون بها في السوق السوداء، ولا يريدون تعدادا للمواشي، ولا يحفلون بما تخسره الحكومة من مال عام لدعم قطاع زراعي، وليس دعم تجار في سوق سوداء، لا تبالغوا يا قوم فإن المسافة شاسعة بين «الأسود والأبيض».
وعلى عتبة العام الجديد : يا رب تثلج علينا بثلج أبيض أبيض، عساه يبيض نوايانا ويزودنا بمزيد من أمل ونقاء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش