الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في قانون الجرائم الإلكترونية الحب ... الكره

إسماعيل الشريف

الأحد 16 كانون الأول / ديسمبر 2018.
عدد المقالات: 119


مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى – حديث
وعاد القانون المعدل للجرائم الالكترونية إلى أحضان مجلس النواب.
في السنوات الأخيرة الكل يتحدث عن ازدياد الكراهية بين أبناء المجتمع بشكل ملحوظ، وكلنا يشير إلى هذه الظاهرة المتنامية، كراهية ايدلوجية وفكرية، وأحيانا عنصرية، واغتيالات شخصية، تظهر في إطلاق الإشاعات وخطابات عنيفة، وتستهدف مؤسسات الوطن وإنجازاته، في مجتمع طالما عرف عنه التسامح والتعاطف وقبول الآخر.
هي موجة من الإحباط والسوداوية، فلا شيء يسير على ما يرام!
وللإنصاف، فهذه الظاهرة هي ظاهرة عالمية تشكو منها مجتمعات عديدة، فحول العالم نرى شعوبا مستقطبة بما يعرف بظاهرة % 50   - % 50، وهذا الاستقطاب يأخذ أشكالا مختلفة، من سني وشيعي، وخروف وبيادة، ومعارض وموالٍ، وبوذي ومسلم، وأبيض وأسود، وشمالي وجنوبي، وأحيانا برشلوني ومدريدي أو فيصلي ووحداتي.
هنالك من يدعي أن الذي أخرج كل هذه الكراهية هي مواقع التواصل الاجتماعي، لأننا نستطيع أن نفصح عن جوانبنا المظلمة من وراء أسماء مستعارة، أو من مسافة أمان وحيث لا ترى الأذى الذي نسببه، وبلا شك فإن مواقع التواصل الاجتماعية أصبحت إحدى أهم أسلحتنا للتعبير عن غضبنا وإحباطاتنا.
ما نكرهه أكثر بكثير مما نحبه!
وبسبب انتشار الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعية برز الحديث عن تغليظ العقوبات ولجم الأفواه، فدفنّا رؤوسنا في التراب معتقدين أننا أنهينا المشكلة، ولكننا في حقيقة الأمر بفعلنا هذا نكون قد ضاعفنا المشكلة، فكما نعلم، الضغط يؤدي للانفجار.
برأيي، للتصدي لهذه المشكلة علينا أن نفهم جذورها ونحلها من الأساس.
وجدت أحدث الدراسات أن المشاعر هي في الغالب الأعم نتيجة التربية والخبرات، فقط % 10 منها يعود لعوامل الوراثة، وأن المشاعر الإيجابية أو السلبية يرتبط بعضها ببعض فمثلا من يتحلى بالتعاطف ستجد أن لديه إيثارا ورحمة، وقِس على ذلك، وأن المشاعر الإيجابية في الطبيعة البشرية تفُوق المشاعر السلبية بشكل عام.
إذن لماذا هذه الكراهية؟
يقول علماء الاجتماع أنه عندما يدرك الإنسان أنه يعيش الفاقة، والفاقة قد تكون مادية وقد تكون سياسية واجتماعية، عندها ستطغى غرائزه البدائية للدفاع عن وجوده، فتجعله يتقوقع ويرفض الآخر، ويحيط نفسه بالأشخاص الذين يشبهونه، ثم هنالك عوامل أخرى لا تقل أهمية هي الخوف الاجتماعي، أي إدراك الشخص أنه يعيش في مجتمع لا يلبي حاجاته، خاصة فيما يتعلق بالطب والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وبلا شك فإن مجتمعنا يعيش ظروفا اقتصادية صعبة، ويشعر المواطن بظلم اجتماعي وتباين كبير في الدخل وسيطرة النخب وانحصار أسباب المعيشة في أيدي أصحاب المال والسلطة، والأسباب عديدة وأصبحت بديهية ومعروفة.
الظلم يؤجج الغضب، والغضب الموجه يصبح كراهية، وهذا ما يعبر عنه بعض أفراد المجتمع. وقانون الجرائم الإلكترونية لن يحل مشاكل الكراهية الأخرى، من عنف الجامعات أو تخريب الممتلكات العامة وغيرها.
علينا أن لا ننشغل بإخفاء مظاهر الكراهية عن معالجة أسبابها في الجذور، ثم علينا أن نحصن أفراد مجتمعنا من خلال دفاع خارجي بتوفير إرادة حقيقية لإصلاح شامل في المجتمع من السياسات الاقتصادية إلى العدالة الاجتماعية، وإرساء حكم القانون وتداول السلطة والأمان الاجتماعي والشفافية والمحاسبة، ثم خط دفاعي داخلي بتقدير ما نحب، من خلال العناية بالتربية الأخلاقية وتزكية النفس، وتطبيقها في دروس عملية مستمرة في البيوت والمدارس، فعلماء الاجتماع يدّعون أن جميع مشاعر المحبة والتعاطف يمكن كسبها بالتعلم والتدريب.
الكراهية قادرة على كسر أعتى المجتمعات، ولن تستطيع منح أي من المشاعر الإيجابية ما لم تمنحها لنفسك.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش