الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التجنيس وفضاءات النص في «حفنة نور» لـرنا حداد

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:00 صباحاً

الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية
 إضاءة:
التجنيس هوية للنص، لكنه مقيد لفضائه.   
 التجنيس والحرية:
لم تلزم نفسها بالحدود فلا سقف للحريات، ولا هو ما دون ذلك، لكن الطبع البشري دائم السؤال عن سقف الحرية بالكتابة الإبداعية، إضافة إلى الحد الأدنى المقبول للتجنيس الأدبي الذي يأخذنا للسؤال:
لماذا نجنس الأدب ونحن نملك كل فضاءات الكون؟
ربما للبحث عن ذاتنا، تلك الذات الصامتة أو الناطقة، تلك الذات الموجبة أو السالبة، تلك الذات بصوتها الضعيف وصوتها المتمكن، فِإذا حدّد الكاتب ماهية الذات دخل في تجنيسٍ أدبي، ذلك التجنيس الذي يعطيه هويته الأدبية، في الشعر أو النثر، فالشعر العمودي أو التفعيلة، أو قصيدة النثر كذلك هويته في القصة والرواية، لكن الكاتب كلما دخل في التجنيس فقد شيئا من حريته، وحدّد هويته الضيقة في مجال أدبي، ليفقد مساحة كبيرة من فضاء الإبداع، محددا ذاته في قمقم يكاد لا يتسع لطاقاته الإبداعية اللامحدودة، فلماذا نجنس الأدب؟.
حفنة نور للكاتبة رنا حداد، كتاب إشكالي التجنيس، ولا تعني الإشكالية أننا نواجه مشكلة في التجنيس، بل تعني معرفة الناقد الأبعاد التي تصف النص، فالنص يحتاج إلى وصف بالأبعاد الإقليدية، وبعد الزمن، وبعد النفس، وبعد الجمال، وصولا إلى بعد الروح، الذي قدمه المتصوفة في الرؤية الفنية، والأدبية، التي تعلو إلى الجمال، عندما قال (بشر الحافي): «ألا أحترم سر الله فيه» حين قصد الروح بذلك السر في الكائن الحي، ومن هنا تعددت الدراسات، وأشهرها الدراسات النفسية، التي نتجت عن نظريات علماء النفس في الشخصية، عند (فرويد) والذات عند (روجرز)، لكن الدراسات الروحية في الأدب هي قليلة ونادرة، منها تلك الدراسة التي قدمتها في ديوان «سأمضي للعدم» للشاعر موسى الحوامدة، بعنوان «الروح الشاعرة في ديوان سأمضي للعدم».
 الهوية تجنيس مقيد:
الهوية الناتجة عن التجنيس الأدبي، والعرقي، والطائفي، هي نفس الهوية التي جنست الشعوب، والقبائل بهوية مقيدة،، بخطوط وهمية على الكرة الأرضية، وأصبح كل يدافع عن جنسه المفترض الذي ينتمي إليه، فحين قامت القومية الألمانية، وحددت هويتها بالناطقين باللغة الألمانية، في ألمانيا، وتشيك، وسويسرا، وإيطاليا، كانت الهوية وبالا على العالم في حربين عالميتيين، وكذلك فإن القوميات خروج تدريجي، من الحلقة الأوسع، ألا وهي حلقة الإنسانية، وصولا إلى دوائر أضيق، حتى تصل إلى دائرة الأنا، والتي يؤمن بها يقول دائما «أنا.. ومن بعدي الطوفان».
الذات والهوية:
رنا حداد جمعت ما أنتجت من كتابات، صنفتها في أبواب، باحثة عن نوع من التجنيس، كذلك باحثة عن ذاتها وهويتها، فكانت العائلة هي الدائرة التي تنتمي إليها، وهي دائرة الأب الوالد، والأم، والزوج، والبنات، ثم لعلها تتسع بعد ذلك في دفء الليل، حتى يذهب الصقيع، ويختفي الضباب، فاتحة عينيها على آفاق أوسع، تلك الآفاق نجدها واضحة في تذيّلها للاستهلال، بقول أفلاطون «المرأة بلا محبة، ِامرأة ميتة» بهذا التذييل انفتحت الذات، والهوية من الأسرة الضيقة، إلى الإغريق بفكرهم وفلسفتهم، ورؤيتهم المثالية للجمال، ودراستهم للوجود والمثالية، وربط ذلك الوجود بغيب يكاد يكون محسوسا عند الإغريق، فالآلهة تسكن الألمبوس، وليست من الغيبيات، فهي تشارك البشر، وتحبهم، وتحسدهم، وتتزوج منهم، وتنجب أنصاف الآلهة.
هذا واضح في الأساطير اليونانية، خاصة في الألياذة، والأدويسة، وواضح في الفكر اليوناني، والفلسفي، والسفسطائي المحب للحكمة، أو هو الحكمة ذاتها،  فدائرة الإغريق، دائرة تفتح قنوات بين العلوم، وحتى بين السماء والأرض، لتنتج فكرا أسس لثقافات، وحضارات تالية، منها من قلد الفكر اليوناني، ومنها من اتبع، ومنها من أضاف، وحذف، ومنها من جدد، فهل تسعى رنا حداد في كتابها «حفنة نور» إلى التقليد أم التجديد؟
ما بين التقليد والتجديد، يعيش الإنسان طفولته الأدبية، متطورا في بحثه عن اللغة، التي ترتقي نحو السماء، باحثة عن الخلود، عارفة ذاتها، فالذات هي تلك الأنا، والأنا الأعلى، والهو، الذي تحدث عنه (فرويد)، لكنها تقول في استهلالها، معبرة عن ذاتها العلوية، الفريدة المتميزة محلقة مع الروح، رشيقة مع الخفة عند ميلان كونديرا في كتابه «كائن لا تحتمل خفته» فالخفة جميلة، والثقل قبيح، فهل يمكن للخفة أن تكون قبيحة، ويكون الثقل أجمل، هذا يعيدنا إلى رنا حداد في تعريفها لذاتها بقولها:
«أنا وهج الصبح الذي تدلى فوق الغيوم
أنا التي حاصرتني ذكرياتي
وامتدادي فوق ما تخشى العيون
حين صبح أدركت قربي من هواكم»

 مفردات مفتاحية:
هذا الاستهلال، يحمل ثلاث مفردات مفتاحية، للغوص في شخصية الكاتبة رنا حداد، كما تحدث في ذلك العقاد عن مفتاح الشخصية، في كتابه «نرجسية أبي نؤاس» وهذه المفردات الثلاث هي: (الوهج، والذكريات، والإدراك).
فالوهج الصباحي الذي يتدلى فوق الغيوم، هو نور رباني، يدل على روح علوية شاعرة، تحلق فوق حدود الذات والهوية، ولا تبحث في وهج الصبح، عن تجنيس أدبي لما تكتب وتقول، ولا تنتظر تصنيفا لنصها الأدبي، تكتفي بالوهج، وبالأدب، وبالصباح، وبالغيوم،
أما الذكريات  فهي تجنيس التجنيس، وتوصيف الشخصية، وحصر الذات، في مفردات تدل عليها، تحتاجها الكاتبة رنا حداد في تلك الذكريات لتحدد هويتها، هوية الكاتبة وما تحمله من ذكريات، تنطلق ما بين الدوائر الصغيرة، والإنسانية الكبيرة، عندها يتفتح الإدراك، إدراك الكاتبة لتلك الذكريات، والروح العلوية، في لقاء جدلي فلسفي روحاني، يحلق في وهج الصبح.
 التصدير:
صدرت الكاتبة رنا حداد «حفنة نور» في صفحاته (7-31) بأقوال منسوبة لدوائر فكرية، افتتحتها مع الفيلسوف الساخر (برنارد شو)، «في ثوبها الأحمر» بعد نص «سيدة الطحين»، الذي صدرته بقولها «الجدة ذاكرة لا تفتأ تسرد أحداثها»، فعندما قال برناردشو «الشيطان يرتدي برادا» ربما استذكرت الفيلم العالمي أيضا في هذا التصدير في فيلم «الشيطان يرتدي البرادا» للنجمة العالمية (ميريل ستريب) وتأخذنا أحلام مستغانمي صاحبة الروايات المشهورة: (ذاكرة الجسد، وفوضى الحواس، وعابر سرير،والأسود يليق بك)، أحلام مستغانمي المختلف عليها بفنيتها، وقدرتها الروائية، هي الأنا الأخر لرنا حداد، والذات الأخرى التي قد تكونها رنا حداد، عندما قالت أحلام مستغانمي: «حاذر أن تغادر حلبة الرقص كي لا تغادرك الحياة» لماذا استعارت رنا حداد هذه العبارة، التي تربط بين الرقص والحياة، بين الفرح والحرية التي تشكل مادة الحياة، تربط بين الحركة والحياة والوجود، هي لا تقول أنا أفكر إذا أنا موجود، بل تقول ما قالت أحلام مستغانمي «أنا أرقص إذا أنا موجود».
رنا حداد لا تحب التجنيس، ولا ترغب به، ولا تريد أن تحد ذاتها بجهات أربع، بل تريد أن تبقى وهج الصباح، لذلك جاء تصديرها متنوعا، وصولا إلى (نيتشة) الفيسلوف الألماني صاحب كتاب «هكذا تكلم زرادشت» بقوله: «فظيع هو الموت عطشا في البحر» فالموت عطشا هو حالة عدمية تنتهي بها الحياة، لتحملنا في رحلة أخرى مع الروائي البرازيلي (باولو كويلو) بقوله حين صدّرت نصّها (بنت الطين) «كل ما فقدته في حياتي...فقدته بسبب شدة خوفي من فقدانه» ثم تنقلنا إلى (غازي القصيبي) عندما يقول: «مشكلتي الحقيقية ليست النسيان، مشكلتي كثرة الذكريات»،.وتتابع تصديراتها مع ابن سينا، وديف باتيستا، وعلي بن أبي طالب، وتختم تلك التصديرات في قصيدة للشاعر اللبناني جوزيف حرب.
 أبواب النور:
انتقلت بنا رنا حداد في ص (33-41) إلى قصص أيلولية، ابتدأتها دائما في أيلول، وقد حملت هذه النصوص معنى لغويا، ومعنى تشكيليا، فتقول في ص (41) في نصها التاسع لعازفة الكمان التي غازلها القمر تقول رنا حداد:
«في ايلول
باب هذا العالم لا يتسع إلا لك ولك
ظنوا المقعد جنبي فارغا
لم يروك بعيني
وكانت روحي تخفي حضورك..خشية حسدك»
رنا حداد في كتابها «حفنة نور» تخشى التجنيس الأدبي، لكنها تعيد تجنيس الأشياء روحيا،  في ابواب كتابها «حفنة نور» فهي تحملنا في باب لم يعنون من (7-31) وتأخذنا في باب آخر، أخذ عنوان أيلول من ص (31-41) ثم تحملنا من ص (43-65) في باب بين التجنيس وعدمه، بعنوان نصوص قصيرة، وهي تعلم أن النصوص الأدبية، ثورة على التجنيس، فكيف استطاعت أن تجنسها في كتابها «حفنة نور»، فالنصوص لا تخضع للشعر، أو الرواية، أو القصة، أو الخاطرة، ولم يضبطها النقاد بضوابط، كما ضبطوا الشعر بالعروض، والرواية ببنائها الهندسي، حتى عندما تأخذنا إلى فصل رابع، بعنوان مد وجزر، يحمل في ثناياه ومضات متسلسلة رقميا، فتحمل في طياتها إحدى وتسعبن ومضة، مفتتحة باب الومضات بقولها: «من باب المساواة.. تعالى نتبادل ا ل ق ل و ب !!!» وتختمها في ومضة 91 بقولها: «لا تدعي حب من كسرت قلبه» لتدفعنا رنا حداد في جماليات نصوصها فهي كاتبة ومضة تثير الإدهاش، ومن ومضاتها المدهشة «في كل مرة نلتقي أعود بدوني».
وهي مفكرة متنورة بقولها: «لا تنظر في المرآة.. جد نفسك في عين امرأة أحبتك» وتبحث في ومضاتها عن تحولات الوجود بقولها: «غيم أسود..مطر كرستالي.. آخر الشتاء وأولك».
من يستطيع أن يدرس هذا الكتاب الأدبي، دراسة معمقة، وصولا إلى ماهية الوجود في نبض كلمات رنا حداد، وماهية الغيب في المسكوت عنه، رنا حداد تحملنا كي ندخل محرابها ونرتل معها في ص (64): 
«الباب مفتوح لهم
لكنهم لا يدخلون»   
هذا ما قالته في نصها القصير بعنوان (لا مفتاح)، وفي نصوص قصيرة أخرى، نكاد لا نميز النص المفتوح من الومضة، من حيث عدد الكلمات، فها نصها في يوم العرس ص (60) تقول فيه:
«تمددت السعادة
تثاءب الفرح
الأبيض أخطأ الطريق إلى صالة الأفراح»
هل هذا هو الحس الفلسفي، الذي تمتعت به في كتاباتها، فكيف للأبيض أن يخطئ الطريق، وكيف للفوضى أن ترتب الأمنيات بقولها ص (58) بنص فوضى:
«على رصيف
رتبت فوضى الأمنيات
وبكفين من أمل جمعتها
جاءت الريح ضاحكة
راحت تبعثر من حولي الأشياء
حاولت إفراغي منك.. من صدري..مني
اكتفيت فقط بتأملها
عنوة أخفيتك في طيات العمر»
 الخاتمة:
رنا حداد صاحبة الوهج الصباحي والذكريات، التي تتعبنا دائما، تصل بإدراكها إلى التأمل، تأمل الفوضى والأمنيات، تأمل الأبيض الذي يضيع طريقه، لكن رنا حداد بقيت تحمل حفنة نور في يدها لكل من أضاع الطريق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش