الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بين الصابون وليفة الجلي

يوسف غيشان

الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2018.
عدد المقالات: 1908

اليوم، وأنا اعود الى ما قرأته – ذهنيا على الأقل- اكتشف ان التقصير كان مني ، لأني لم ادرك الجوهري في الرواية ، او انتقدت لغتها المبسطة الممتلئة بأحرف العطف، دون ان ادرك- آنذاك-  ان هذا الأسلوب كان مقصودا من المؤلف- وليس نقصا فيه- من اجل إيصال الفكرة...اتحدت عن رواية (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم.
الرواية تدور حول سجين سياسي يساري يخرج من المعتقل الذي قضى فيه فترة طويلة ، فيمارس حياته العادية ، في زيارة خالته ، او السير في الأسواق وأشياء عادية متعددة، لا اذكرها تماما.
المهم ان هذا الرجل كان يشم رائحة كريهة في كل مكان يذهب اليه ..كانت رائحة فاسدة وعطنة في كل مكان ، وهذا هو جوهر القصة، فلم يستطع بطل الرواية ان ينسجم مع الفساد العام.
فلنترك الرواية ولنعد الى ارض الواقع.... فأنا فعلا أشمها في كل مكان، في مكاتب البيروقراطية وفي مكاتب المعارضة التقليدية.... بين اليمين واليسار وما بينهما..أشمها في ثيابي ..ومن تحت إبطي اليمين واليسار  وبين..... وفوق وتحت ...اشمها داخل زجاجة العطر وفي معجون الأسنان ورغوة الصابون ..وليفة الجلي.
حينما تدخل الى البيت ، وتصدمك رائحة الكاز من الصوبة ، يؤكد لك الذين بداخل الغرفة من فترة، بأنك تبالغ، تتوهم بأن هناك رائحة نفاذة للكاز داخل الغرفة. وهذا ما يحصل مع جميع انواع الرائحة من رائحة الجرابات مرورا بالشوربات ،  وليس انتهاء  بالكرشات.
المهم في الموضوع ، انك بعد ان تدخل  في الجو يتقلص احساسك بالرائحة تدريجيا  حتى تختفي تماما من خياشيمك ، وتشرع بتكذيب الداخلين الجدد الى جو الكاز.
السبب في ذلك كما خبرنا علماء الفرنجة  ان الخلايا الخاصة بالشم واستشعار تلك الرائحة تكون قد ماتت  مع الدخول في الجو الموبوء، فتبقى الرائحة كما هي ، لكننا لم نعد  نمتلك القدرة على شمها.
يعني  ذلك ان الاعتياد  على الجو الموبوء تجعلنا نفقد القدرة على الاستشعار به، لأن خلايانا تموت من كثرة الاستعمال، وكلما كانت الرائحة اكثر نفاذية كلما خسرنا الإحساس بها بشكل اسرع.
هذه ليست حقيقة علمية فقط، بل هي للأسف حقيقة اجتماعية وحقيقة سياسية أيضا وأيضا. ففي جو الفساد العام ، وكذلك في الهزائم على كافة الصعد. الغريب فقد الإحساس حتى بالروائح الأخرى...
- اعتدنا على الانتهاك الأمريكي لحقوقنا العربية في كل مكان !!
- اعتدنا على المجازر الصهيونية المتكررة، حتى لم نعد نفاجأ.
- اعتدنا على القتل والتدمير والتفجير ..صار الموت- موتنا-  بالعشرات، مجرد خبر صغير ، قد تتجاهله وسائل الاعلام.
-اعتدنا على تهويد القدس
- على شعارات الانتهازيين التي تصرخ بالروح وبالدم والأبصرشو إسمه.
- اعتدنا على  وعلى وعلى ..
- اعتدنا على دلعونا
- اعتدنا على كل شي
 فقد ماتت الأحاسيس!!
تلولحي يا دالية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش