الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ولا تنازعوا

إسماعيل الشريف

الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2018.
عدد المقالات: 119


(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) – 46 الانفال
قبل أيام استضافني الإعلامي المبدع صدام المجالي على أثير اذاعتنا الأردنية ، ووجه بداية النقاش للحديث عن خطاب الكراهية المتصاعد هذه الايام بين مختلف التيارات ، تلعثمت فالموضوع فيه حساسية كبيرة !
هذه الأيام هنالك حرب افتراضية زادتها قصة منظمة مؤمنون بلا حدود وامينها العام ، بين المطالبين بتطبيق الدين في جميع نواحي حياتنا ووقف اية أنشطة فكرية تتعارض مع ديننا وقيمنا  وبين من يطالب بالعلمانية أي فصل السياسة عن الدين والذين يعتبرون وقف مثل هذه الأنشطة هو قمع للرأي .
العلمنة بالنسبة للبعض هي مقابل الأسلمة، ولكل فريق أسبابه المنطقية، فالمتدين يرى أنه يدافع عن هويته وعلاقته بخالقه، والعلماني يرى أن الدين هو أحد المعوقات التي تحدد تطور الحياة وان هنالك قمع لحريات وحجر على الفكر، ودعوته جاءت كردة فعل على ما يشاهده من تشنج لغة الحوار وجلبة السلاح التي تسكت أية لغة أخرى، والجرائم التي ترتكب باسم الدين، ولا توجد مرجعية دينية واحدة ، إذن بالنسبة لهؤلاء إزاء هذا الوضع فلنلغِ الدين من حياتنا وليبق أمرا خصوصيا بين الفرد وربه.
واحدة من مشكلة العلمانيين انهم فشلوا بتقديم نموذج يصلح لمجتمعاتنا ، فهم يقدمون نماذج مجربة في مجتمعات أخرى ويريدوننا استنساخها  بغض النظر عن تاريخنا وموروثنا وعاداتنا وتقليدنا.
لنتحدث قليلا عند النموذج المجرب، فالغرب رأى بعد استعار الحروب التي تصارعت على الحكم وكل جانب ادعى الشرعية باسم الدين، وكان الاستبداد بالسلطة، وظلم العوام، وانتهاب الثروات، ومحاربة العلم،كل ذلك باسم الدين، فرأى الغرب أنه لا مناص من فصل الدين عن السياسة، وتحرير العقل من كل ما يحده، واعتبار الدين من أهم هذه المحددات.
واصطنعت العلمانية أربابا جددا بفكرة تقوم على تحقيق السعادة المادية، وهذه لا تتأتى إلا بإشباع الرغبات والاستهلاك وتكون نتيجتها مجتمع الوفرة، ولتحقيق هذا النهم الاستهلاكي دون أي ضوابط عقلية انتُهك الإنسان والطبيعة، وتم تسخيرهما لمصلحة القوي على حساب الضعيف، وخرج من رحم العلمانية الاستعمار البشع الذي سرق مقدرات بلاد وأفنى شعوبا، ولتبرير كل هذا قيل إن الدين يعيق التقدم سترا للحقيقة التي لا تقال وهي أن الضمير هو الذي يعيق التقدم، فمن يجرؤ على قول ذلك!
ولا ننسى، أن فكرة العلمانية بدأت بتنحية الدين عن السياسة، ثم امتدت لتقصيه عن العلم حتى وصلت إلى المجتمع والقيم والأخلاق، فالفكرة في نتيجتها أن يبدع العقل دون أي شيء يحدده، وهذا المحدد سمّه ما شئت.
والأمر الخطير أن اعتبار الدين، كونه يكرس الاعتقاد بالغيبيات والانقياد للتعليمات - هو محدد، فالعلمانية – بإلغائها الجانب الروحي من النفس البشرية - هي دين آخر محدد للعقل، لأن مفاهيم كالمادة والاستهلاك والغرائز تصبح محددات للعقل وتشكل مرجعية الصواب والخطأ.
ويرى بعض كبار الفلاسفة الغربيين أن تجربة الغرب في العلمانية لا يصلح فرضهاعلى حضارات أخرى فهي حالة منفردة تخصهم وحدهم! ويدعم ذلك أن الدين في تلك المجتمعات كان يشبع لديهم جانبا روحيا إلا أنه عدى عن كونه مصدرا لشرعية الحاكم – واستبداده – لم يكن له دور آخر يذكر، وفصله عن السياسة حوّل شرعية الحكم نحو الافضل، أما الجانب الروحي فيمكن إشباعه في خصوصية تامة.
في عالمنا العربي نحن أناس متدينون شئنا أم أبينا، وطبيعة ديننا أنه أسلوب متكامل للحياة، من لحظة الاستيقاظ وحتى تفاصيل الجنائز مرورا بالمأكل والملبس والمعاملات والعلاقات بين الناس. ولدينا موروث حضاري كبير لا نستطيع أن ننسلخ عنه، ولدينا تجربة ناجحة في تزاوج الدين والحياة. قد يقول قائل إنها نجحت في زمن مختلف له خصائصه ولن ينجح في هذا العصر، والمدافعون لهم حججهم القوية أيضا، لذلك سيبقى موضوعا قابلا للنقاش، قد لا يستطيع طرف حسم المسألة بالعقل وإنما بالسلاح، وستكون نتيجته كسر وتهميش أحد الأطراف، وسنظل ندور في حلقة مفرغة.
إذن ما هو الحل؟ أعتقد أن النموذج الديني بحاجة إلى الإفادة من أدوات العلمانية في الرقابة والشفافية وحكم الشعب والاهتمام بتوعيتهم وتعليمهم، فلا يمكن فرض دولة الدين على شعب غير متدين في الأساس.أما العلمانيون فعليهم أن يفكروا جيدا إن كان أسلوب الحياة في دول العلمانية الصرفة هو اختيارهم لأبنائهم.
 وفي النهاية، فعلى مفكري الأمة تقديم نموذج وسطي يناسب موروثنا وثقافتنا وحضارتنا وخصوصيتنا يكون نواة للنقاش، لأن المجتمع هو الذي يحدد شكل الدولة وهويتها، وفي ساحة السلاح لن تحسم المعركة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش