الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عيد الدماء

إسماعيل الشريف

الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.
عدد المقالات: 119

الاستعمار الكلاسيكي مرتبط بجرائم الإبادة الجماعية –إرفنج لويس، صاحب كتاب سلطة الدولة والقتل الجماعي
تقول القصة أن بعض الانجليز وصلوا إلى مدينة بلايموث في أمريكا عام 1620، ولعدم معرفة المهاجرين الجدد بالزراعة و الصيد جاعوا حتى توفي بعض منهم، تعاطف معهم أحد رؤساء القبائل المحليين فعلمهم الزراعة والصيد، وبعد أول موسم حصاد أقام الانجليز احتفالا دعوا فيه السكان الأصليين ليشكروهم على المساعدة، ومنذ ذلك اليوم أصبح يوم الرابع من تشرين ثاني عيدا أمريكيا يسمى بعيد الشكر، وأُلحق عندهم بأعياد المسيحيين، والمسيحية براء من السلب والخيانة والاستعباد.
ترى لو عرف رئيس القبيلة أن ثمن هذه المساعدة سيكون أحد عشر مليون قتيل من بنى جلدته – حسب ما كتبه المؤرخ البريطاني مارك كوكر في كتابه أنهار الدماء أنهار الذهب – لو علم ذلك هل كان سيساعدهم!
لو علم أن ثمن هذا المعروف سيكون إبادة جماعية وتجويع وتطهير عرقي وسرقة ثروات هل كان سيقوم به!
خرج الأوروبيون من بلادهم بحثا عن ثروات وأوطان جديدة، بعضهم هرب من حياته وبعضهم أراد حياة أفضل، بعضهم قطع المحيط للتبشير وبعضهم قطعه للذهب، فاحتلوا قارات وقتلوا السكان الأصليين.
ولم يقتصر الأمر على مذابح سكان «العالم الجديد» الأصليين، فالأفارقة أيضا دفعوا دماءهم ثمنا لاستعمار الرجل الأبيض، فالأوروبيون اصبحوا بحاجة لقوى عاملة في الأراضي التي استولوا عليها بعد أن أفنوا شعوبا بأكملها، فغزوا سواحل غرب افريقيا مئات السنين واستعبدوا البشر هناك ونقلوهم للعالم «الجديد»، وأساؤوا معاملتهم فعذبوا وشوهوا وجوعوا وجلدوا وتركوا جوعا حتى الموت، ودمروا البلاد التي أخذوا منها عبيدهم، ويقول المؤرخون أن عدد الأفارقة الذين قتلوا خلال أربعمائة عام بسبب تجارة العبودية يقدر بنحو 65 مليون شخص.
وشكلت العبودية إحدى أهم موارد الدخل القومي البريطانية وأكثر من خمسين بالمائة من رؤوس الأموال للأعمال.
وفيما كان يعاني السكان الأصليون والمستعبدون من الفاقة كانت موائد بريطانيا عامرة بحبوب العالم الجديد وخزائنها مليئة بذهب وفضة المستعمرات.
وظهر النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية امتدادا طبيعيا لعهد المذابح والثروات المستباحة، فمنذ عام 1945 تدخلت الولايات المتحدة في أكثر من سبعين بلدا، خلفت ورائها ملايين القتلى من المدنيين ونهبت وسرقت مقدرات شعوب بأكملها في سبيل أن يقدم الديك الرومي على موائد الأمريكان في احتفال عائلي بهيج، في بيوت دافئة، مقامة على جماجم ملايين الجوعى والثكالى الذين دمرتهم حروب العم سام.
فلا عجب من دعم الغرب للاحتلال الصهيوني على فلسطين وقتل وتهجير شعبه وسرقة مقدراته، فهي أعمال قامت عليها حضارتهم، وأخضعوا بها مناطق عديدة من العالم، وفي لب أدبياتهم أن القوة والمصلحة هما اللتان تحكمان بغض النظر عن الضمير، وأن العرق الأبيض هو الأحق بالتملك والسيطرة لأنه الأكثر تطورا والأصلح للبقاء، والحق أنه كالأخ الأصغر الذي يستحوذ على كل ما يراه.
ولا تستغرب أبدا قول كيسنجر للسادات في أحد نقاشاتهم حول فلسطين «لا تحدثني عن الماضي، سننطلق من الواقع» فالتاريخ يكشف الكثير، أما وجهة نظري فإننا لن نتقدم ما لم نتخلص أولا من أشباح الماضي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش