الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في «شمس بيضاء باردة» للروائية كفى الزعبي

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً

عبد السلام صالح
أن يتوشح نص روائي مُحكم وطويل بلازمةٍ شعرية أو فلسفيةٍ أو جملة نثرية حساسة، يرتكز في تدويره عليها، بعد أن تنبثق منه، تدوِّرهُ، ثم يتسابق أو يتحالف كل منهما لكي يكون الأقدر على الوصول للقارئ، عبر تناغم تعبيري مدهش، يتجليان فيه معاً، للوصول لجماليات أكثر قدرة على التعبير عن الحس الإنساني والحساسية الجديدة، تجعلك تعيش وتشعر بكل ما يدور في نفس وروح الشخصية، وتدخلك هذه الأسلوبية الجديدة في ما يشبه الاندغام أو التماهي مع الحالة أو مع الشخصية الروائية، هذا أمر يندر أن يحدث في عمل روائي.
فعلتها كفى الزعبي، أي جرأة وأي حس إبداعي؟ أي ثقة جعلتها تخوض هذه المغامرة الإبداعية المذهلة التي وضعت روايتها الأخيرة «شمس بيضاء باردة» بين الروايات الكبيرة والعظيمة، ولا أبالغ إذ أقول إن هذه الرواية من الروايات القليلة التي أخذتني بعيداً في عوالم الفكر والحس والوعي والوجود.
«اللعنة تعرفُ طريقها إليّ».
«تحوم فراشة صغيرة حولي، وعيناكِ تُحدقُ فيّ، وأنا أحدقُ في العدم».
«خذيني معك أيتها الطرقات».
«دع أنكيدو يسير أمامك، فإنه يعرف الطريق وقد سلكه».
هذه اللوازم الأربعة، وربما هنالك غيرها لم انتبه لها، ظلت طوال هذا العمل الفذ والمدهش تدور السرد، تزينهُ، تلمُهُ بعباءة حسها وتيهها الوجودي، بكل ما في الكون من عبثٍ قدري اللعنةِ، واقعيٌ حد التخمة وانغلاق أي أفق لأي أمل، وما مسيرنا الوجودي العابث إلا حصيلة هذا الصراع بين حقيقة العبث المطلقة والطبيعة الحية والحيوية للأمل الذي سيظل يطارد الروح أنى اتجهت وكيفما ولى الفكر وجهتهُ، مُعنونةً بالجدير الوحيد والحقيقي الوحيد، والمَرئي الوحيد الذي ظل بطل الرواية « راعي « يحدق فيه طيلة هذا العمل الإبداعي المُدهش والعبقري... العدم.
واللعنة التي تعرف طريقها جيداً إلى كل من اختلف إلى كل من حاول وكابد الفكر، في محاولاته للإجابة
عن الأسئلة الحقيقية للوجود ولمعنى الأشياء، كانت تطوق السرد، تزينه وتلمُهُ أحياناً، ليخرج بأجمل بوتقةٍ
إبداعيةٍ شكلاً ومضمون، إذ كيف ما حل وارتحل ومهما استكان أو فعل يظل يشعر أن اللعنة تعرف جيداً طريقها إليه، لتأتي عباءة سرد ثانية على لسانه «خذيني معك أيتها الطرقات» لتأخذه الطرقات معها عبر مسير الرواية من مبتدأُها إلى منتهاها من شقاءٍ إلى شقاء، ومن جحيمٍ لآخر، من قهر لقهر، مقيداً بلعنتهِ القدرية التي أخذته كل الطرقات إليها وفي كل الحالات والمحاولات ظل «راعي» قدري اللعنة، عدمي الحس، متقاطعاً أو متأثراً وربما متماهي مع جلجامش، عبر تدوير آخر للسرد في اقتباسه المتكرر «دع أنكيدو يسير أمامك، فإنه يعرف الطريق وقد سلكه».
كل هذا الثقل جاء سلساً، هادئاً ورائقاً، عبر نبض لغة سرد فاتنة، معبرة بشكلٍ غاية الدقة والروعة، فرغم الأطروحات الفكرية والفلسفية، وجرأة، إدراج المقولة الفلسفية كاملةً غير منقوصة، ومغامرة الدخول في عوالم «البير كامو» عبر أسطورة سيزيف أو الإنسان المتمرد أو الغريب والكثير مما تحمله حساسية كامو الفلسفية والفكرية من صعوبة أو ثقل، إلا أن الطاقة التعبيرية التي احتوتها اللغة في الرواية، والأسلوبية الموفقة جداً سواء في توظيف اللغة وتطويعها لتستطيع الدخول في عمق الفكر الوجودي والعدمي وعمق الشخصيات، بدون أن يشعر القارئ بأي ثقل أو صعوبة، فكانت اللغة مُيسرةً وموفقةً جداً وجديرة، حساسة بشكل مدهش ومتناسبة مع حساسية البير كامو الفلسفية، وحساسية الشخصية الرئيسية بالعمل «راعي» والذي كان بناء شخصيته وتطورها، ومواقفه وردود أفعاله منسجمة تماماً مع جملة القول، ومع كافة عناصر العمل الروائي.
« شمس بيضاء باردة» استطاعت بأسلوبيتها الرائعة أن تتلمس وان تحس وان تكشف وأن تعكس وتصف وترسم مجاهيل الروح الإنسانية، بعمق وبلغةٍ غنيةٍ متعددة المستويات، وبوعي جوهري حقيقي غير استعراضي ولا مُستعجل، وعي يتوِّجُهُ الحس والجوهر تنقَل بنا عبر فصول الرواية وتطور الأحداث، عبر كل شكل وكل مضمون مرت عليه صفحات وفقرات ومفردات الرواية.
هذا بالإضافة إلى أن الاقتباسات التي تضمنها العمل الروائي جاءت مُعبرة ومتناسبةً جداً، بل ومكملةً لبنية الشخصيات وجوهرها، ومؤسسةً بكل جدارة لكل التفاصيل وتفاصيل التفاصيل للأحداث والشخصيات، بوعيها ووجعها أو بحساسيتها الوجودية وهي تذوي كجمرات في صقيع ووحشة وبرد الواقع.
هل يمكن لدراسة واحدة أن تحيط بهكذا عمل روائي، عمل يتقاطع ويترابط بشكل كبير مع الملحمة الإنسانية الخالدة «جلجامش» ومع الحساسية الفلسفية الفذة للعظيم البير كامو.
أعود للعبة السرد، أعود لتدوير النص ولَمُهُ بعباءةٍ فضائها الجملة الفلسفية أو الشعرية، جملة الحس، جملة الكثافة وكل الحضور، جملة القول والتقلبات، أعود للجمل الأربعة التي تم الاعتماد عليها فيما أسميه تدوير السرد، وأسأل نفسي، لماذا استخدمت هذه التقنبة أو هذا التكنيك أو هذه الأسلوبية، وما الذي أرادته الكاتبة منها، هل هي مفاتيح، أم أنها أدوات ربط، هل هي مقولة القول أو مقولات العمل، هل هي الخلاصة أو الاستخلاص، هل هي نتائج، أم أنها نقاط انطلاق لآفاق أرحب وأوسع، هل هي أجنحة للفكر أو للحس كي يحلق القارئ بعيداً، كلٌ حسب طاقته وقدرته وحساسيته الفكرية والفلسفية.
ثم هل جاءت كضرورة بنائية في البناء الروائي للعمل، كشكل سرد يضيف ويعطي طاقة إبداعية إضافية للطاقات الكثيرة التي احتواها العمل الروائي....
أسئلة كثيرة فتحتها «شمس بيضاء باردة» سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون، أسئلة تتيح للفكر وللحس أن يدخل مغامرة التفكُر والتأويل، والأجمل أن هذا النص الروائي الجديد والجريء، يفتح الأبواب على مصراعيها لتعدد التأويل، وتعدد التأويل أحد أهم شروط النص الإبداعي.
لهذا جاءت «شمس بيضاء باردة» هدية نادرة وغالية لكل من يريد أن يبحر في عوالم الفن والإبداع، في عوالم الرواية تحديداً، وهل أجمل من أن يحمل العمل الروائي الكثير من أسئلة الإنسانية عن الوجود والحقيقة والمعنى، وكل ما يدور في أرواحنا من فكر، ومن حساسية فكرية أو وجودية.
«شمس بيضاء باردة»... ما الذي يُحيل الشمس إلى بيضاء وباردة، وأي صقيعٍ استطاع أن ينتزع من الشمس حرارتها ودفئها ولونها، «شمس بيضاء باردة» أي عزفٍ ناعمٍ وقاتم، أي قتامةً وأي وجود هذا الذي أحال أرواح الشخصيات في الرواية، وربما أرواحنا لكل هذا الجفاف، ولكل هذا الصقيع ولكل هذه القُحالة.
«عيناكِ تحدق فيَّ، وأنا أحدق في العدم»... كأن كل ما كان يراهُ «راعي»، كأن كل ما نراه، ليس أكثر من عدم، وكأننا نُفني أعمارنا ونحن نهرب من العدم، نحدق به ولا نريد أن نراه، كأن العدم سُم الوجود.
الحساسية الفنية والفلسفية، أعطت للعمل الروائي مصداقية كبيرة، كافة عناصر العمل الروائي تم التعامل معها ورسمها وفق هذه المنهجية الإبداعية التي تمتعت بصدق عالي اقترن بلغةٍ نابعة من عمق الحالة، فكانت اللغة بنت واقع الشخصية وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية.
 الشخصيات جميعها بدون استثناء تم رسمها وتقديمها كجزء رئيسي من البنية الروائية، وكان وجودها ضروري، بغض النظر عن حجمها، فكانت مقنعة جداً، وتعلق في عقل وقلب القارئ.
المكان سواء القرية أو الغرفة، المدرسة أو المدينة بكل تفاصيلها، جاءت تنبض بقحالتها وقسوتها، المكان جاء على حقيقته، جافاً وطارداً.
والزمان بتشظيه ودوائره، جاء جليدياً، والأيام ليست أكثر من صقيع في ليالي غربة « راعي « ومعظم الشخصيات، زمن الرواية هو هذا الزمن الذي نعيشه الآن، بكل عبثه، وعفنه، وفساده، ومجد الرواية أنها استطاعت أن تنقل الحس الذي كان يخنق الشخصيات، تحت ضغط هذا الزمان.
تطور وتصاعد الأحداث، جاء مترابطاً ومنطقياً، ولا ادري أهي نبوءة ما، أم انسجام مع واقع موغلٍ في الوحشة والبؤس، وتوافق منطقي مبني على تأسيس، أن تكون النتائج أو النهايات هي الابن الشرعي للمقدمات أو البدايات، وان تنتهي الرواية بهذه النهاية
وختاماً أُهنئ الروائية المُبدعة بحق كفى الزعبي» وأفتخر كروائي أردني برواية «شمس بيضاء باردة».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش