الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

موت الكتاب الورقي..

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً


د. محمد عبدالله القواسمة
لعل من البديهي القول إن الموت نهاية كل مخلوق على الأرض، ولكن هذه البديهية تحولت عند بعض المفكرين والفلاسفة إلى وجهة نظر في الحياة ورؤية في الوجود؛ فرأينا موت الإله عند نيتشه، ثم موت الإنسان عند أصحاب المنهج البنيوي، وموت المؤلف عند رولان بارت والتفكيكيين، وموت الأدب عند تودوروف، وتوالى بعد ذلك إعلان موت الظواهر والأشياء من موت الشعر إلى موت القصة القصيرة، إلى موت القارئ وموت الكتاب وموت الأب. حتى انتهينا إلى من يقول بموت الطبيعة والعدل والضمير والحب. من هذه السلسلة من أنواع الموت اخترنا التوقف عند مقولة موت الكتاب الورقي.
ظهر القول بموت الكتاب الورقي مع ظهور التكنولوجيا الرقمية وانفجار المعلومات في نهاية القرن الماضي.وينطوي المفهوم على أن الكتاب الورقي في طريقه إلى الاختفاء والذوبان في أجهزة الحواسيب،ليتحول إلى ما يسمى الكتاب الرقمي. ورافق هذا اختفاء كثير من الصحف والأعمال الورقية، وبدأت تتجسد على أرض الواقع صحف بلا أوراق ومكتبات بلا جدران.
من الواضح أن للكتاب الرقمي صفات تميزه عن الكتاب الورقي؛ إذ يستطيع المستخدم تحميله وقراءته على أجهزة إلكترونيّة مثل الحاسوب، والهاتف الذكي، أو أجهزة الكايندل  kindle التابعة لأمازون Amazone التيتكُون عموماً بامتداداتPDF، Kindle، Word..وغيرها. ويمتازالكتاب الرقمي بأنه مريح في السفر؛ فيستطيع المسافر حمل عدد كبير من الكُتُب وتخزينها في جهاز واحد، وهو رخيص بالمقارنة مع الكتاب الورقي فلا يتطلب طباعة وتكاليف شحن، ويستطيع المستخدم قراءته مباشرة بعد شرائه وتحميله، كما أنه يستطيع قراءته قراءة ليليّة، والتحكم بسهُولة في حجم خطه وسواد كتابته.
كل هذه الميزات الحسنة للكتاب الرقمي لم تجعله يلغي الكتاب الورقي؛ فما زال الكتاب الورقي محافظًا على وجوده، ونرى كثيرين من الجيل القديم يفضلونه على الكتاب الرقمي، وخاصة إذا كان من الكتب القديمة القيمة، فالكتاب القديم القيم يمنح قارئه الإحساس الجميل وهو يعاين صفاته المادية تلك التي يفتقدها في الكتاب الإلكتروني: الورق، مادة الكتابة، الحجم، الرائحة، الملمس وغيرها.
لا شك في أن الجيل القديم يستحضر ما ورد في كتب التراث من مدح للكتاب قبل سيطرة التكنولوجيا الرقمية؛ فما زال قول المتنبي يتردد على الألسنة بأن»خير جليس في الزمان كتاب»، وكذلك ما ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتابه «الحيوان» إذ وصفه بأنه» الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملّك...وهو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك...وهو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلّ بنوم، ولا يعتريه كلال السهر. وهو المعلّم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرك..»
إن هذه الميزات التي يتمتع بها الكتاب الورقي، والتي ترسخت في وجداننا الجمعي يضاف إليها تخلفنا الحضاري تجعلنا نطمئن إلى أن الكتاب الورقي سوف يبقى مع الكتاب الرقمي جيلين أو أكثر قبل أن ينتهي بمجيء تلك الأجيال التي سوف تتعايش كليًّا مع التكنولوجيا الرقمية، ويغدو الكتاب الورقي من مخلفات الماضي.
لعل هذه النظرة المستقبلية إلى ما سوف يؤول إليه الكتاب الورقي تتطلب من المؤسسات الفكرية والثقافية والتعليمية في بلادنا العربية أن تهيئ الإنسان العربي وتمهد له الطريق كي يتعايش مع هذه الحياة الجديدة التي سيموت فيها الكتاب الورقي، وذلك بزيادة الاهتمام بالتكنولوجيا الرقمية وكِتابها؛ وإعادة النظر في أساليب التربية والتعليم والتثقيف وأدواتها، وتطويع النظريات الغربية التربوية لتكون صالحة التطبيق في الواقع العربي، بغير ذلك لن نستطيع مواجهة موت الكتاب الورقي في المستقبل، ونبقى في دائرة التخلف الحضاري.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش