الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مسلسل «حارة اليهود».. جدل سياسي ورؤية فنية متميزة

تم نشره في الاثنين 6 تموز / يوليو 2015. 03:00 مـساءً

 رشا عبدالله سلامة
قليلاً ما يتناول العرب أمراً ما بحيادية وتوازن؛ إذ يجنحون إما لـ(الشيطنة) المبالغ بها إلى حد يصبح فيه التناول مدعاة للضحك، أو يختارون النقيض تماماً فيؤنسنون طرفاً ما ويتناولونه برومنسية إلى حد يُصاب فيه المتلقي بما يشبه «الدبق» في الفم من شدة الحلاوة!

تناول الشخصية اليهودية في الأعمال المصرية بقي محصوراً في الشق الأول لمدة طويلة؛ إذ لا يظهر اليهودي بغير صورة الجشِع الانتهازي، بل لعل الشيطان يتعلم منه دروساً وأساليب حتى لو كان غير منخرط في الصراع السياسي، ويعزّز من التناول الطفولي الآنف نص الحوار الذي يكون سطحياً للغاية ومباشراً، بيد أن مسلسل «حارة اليهود»، الذي يُعرض خلال شهر رمضان، اختار النقيض من التناول الآنف فاختار الشق الثاني ووقع في مطب الحلاوة المبالغ بها، إلى حد تكاد عينك فيه تدمع لشدة رومنسية اليهودي الذي يقع ضحية لغطرسة العربي وجبروته!
صحيح أن مخرج العمل محمد جمال العدل، وضع في مقابل «كمشة» الشخصيات اليهودية الفاضلة والطيبة والمعطاءة والمتسامحة، وضع أمامها شخصية مزراحي، الجشع قليلاً ولكن غير المؤذي على الإطلاق، إلا أن الصبغة العامة قلبت الآية تماماً: حقوق اليهودي كانت منقوصة عربياً قبل إقامة كيان الاحتلال، وكان العربي يتجبّر به (وهو ما لا يعد صحيحاً في الدول العربية كلها، بل إن اليهودي كان يمسك وظائف مهمة وصناعات أساسية كما شغل مناصب كبيرة في الدول الإسلامية المتعاقبة)، وبأن العربي هو المسؤول تماماً عن هجرة اليهود المصريين لكيان الاحتلال، ولعل ما كشف أجندة العمل بشكل جليّ كانت النقطة هذه على وجه التحديد: الإخوان المسلمون هم من كانت لهم اليد الطولى في تهجير اليهود المصريين، وليس استقطاب الكيان لهم ولا بسبب بعض ممارسات جيش عبد الناصر حيال اليهود لاحقاً. فقط هم الإخوان وتحديداً مؤسس جماعتهم حسن البنا، الذي كان يحضّ المصريين على مهاجمة مصالح اليهود في مصر وليس الذهاب لمقاتلتهم كالجيش المصري في فلسطين.
يكتسب المسلسل، الذي ألّفه الدكتور مدحت العدل وقام ببطولته كل من الأردني إياد نصّار والمصرية منة شلبي إلى جانب حشد من نجوم مخضرمين كسامي العدل وهالة صدقي، أهميته من أسباب عدة من بينها: حساسية الموضوع المُتناوَل لا سيما في بلاد ما يزال المزاج العام فيها رافضا لأي نوع من التطبيع مع كيان الاحتلال رغم توقيع اتفاقية السلام، بالإضافة لكونه التناول الحنون الأول للشخصية اليهودية وهو ما كان على النقيض تماماً طوال العقود الماضية، بالإضافة لاستسحسان السفارة الإسرائيلية في القاهرة له وهو ما عزّز من وجهة نظر منتقدي المسلسل الذين يرون أن فيه تجميلا لصورة اليهود، إلى جانب كونه يأتي في فترة مصرية حساسة سياسياً في ظل الصراع المحتدم بين التيار الحاكم حالياً وبين جماعة الإخوان المسلمين ما جعل المسلسل يظهر رافداً هاماً للرواية المصرية الرسمية التي تنحى باللائمة على جماعة الإخوان في أي مشكلة حصلت أو لا تزال قائمة.
يكرّس المسلسل من رواية اليهود التي ما انفكّوا يروّجونها في معرض تبريرهم الهجرة لأرض عربية والإقامة عليها بدلاً من ساكنيها الأصلاء، وهي ملاقاتهم الاضطهاد لا سيما في أعقاب نكبة العام 1948، وهو ما لا يعدّ دقيقاً بل فيه تبسيط للفكر الصهيوني الذي قام عليه الكيان، والذي ينادي بجمع يهود العالم على أرض فلسطين، بحجة أنها أرضهم تاريخياً. ثمة تصوير سطحي ونمطي أيضاً للكيبوتس، الذي خرج منه عتاة الكيان سياسياً، بيد أن العرب لا يزالون يصوّرونه ببؤرة لكثير من الرقص والاستمتاع وقليل من التدريب الحربي!
صورة الفلسطيني في «حارة اليهود» جاءت متماهية كذلك الأمر مع طروحات النظام وتوجّهاته حالياً، وهي صورة أقرب للتحامل في الحلقات الأولى، حين تم تصوير الفلسطيني بالمتواطئ مع المحتل، لكن سرعان ما تم قلب الموجة وتحويل صورة الفلسطيني لمناضل صامت يحاول بقدر المتاح لديه من هامش حرية بسيط مساعدة شقيقه العربي الذي هبّ لنجدته.
كما العادة، اللهجة الفلسطينية هزيلة وبعيدة عن الدقة في الأعمال المصرية، كذلك الأزياء والجغرافيا الفلسطينية، بالإضافة للاستسهال الذي يتناول من خلاله القائمون على الأعمال المصرية مشاهد الهروب والتسلل من سجون الاحتلال، وما المشهد الذي فرّ فيه بطل العمل من الإسرائيليين بمنتهى البساطة حين قفز عن الحاجز واعتلى ظهر القطار المتوجّه لمصر من دون أن يصيبه وابل الرصاص بسوء، سوى دليل على ذلك.
بعيداً عن الجدلية السياسية، فإن المسلسل يقدم وجبة فنية تعتمد على عنصر التشويق، وهو ما يُحسب له، بالإضافة لعرضه التعددية الدينية والفكرية التي كانت تعبر عن ذاتها من دون وجل أو قلق في ذلك الحين، عدا عن تسليط الضوء على ظواهر اجتماعية في حينها من قبيل تغلغل الطبقية وظاهرة دور الرقص وكذلك الفتوّات والبلطجية، وإن كانت صورة المسلم محصورة في الغالب بالمنتمي للطبقة السوقية، بعكس المسيحي الذي يغلب عليه الرقي والثراء وسعة الأفق.
جعل المسلسل من حكاية الحب بين الضابط المسلم والفتاة اليهودية مربطاً للفرس في الأحداث، وباعثاً في أحيان على النضال وفي مرات مشجعاً على التنازل عن المبادئ الوطنية والإنسانية، إلى حد قد يشعر فيه المتلقي بشيء من المبالغة والتضخيم وتحميل هذه الحكاية العاطفية أكثر مما تحتمل، لا سيما في قضايا بالغة الخطورة والأهمية كالعمل الحربي والهجرة لكيان الاحتلال. يُحسب للمسلسل أيضاً طرقه ثيمات جدلية من قبيل: من الوطني ومن الخائن؟ وهل من العدالة أن تُمسّ وطنيتك بالريبة والشك إن كنتَ تسلك مسلكاً أخلاقياً غير محمود اجتماعياً، كالراقصات وبائعات الهوى اللاتي انخرطن في دور نضالي لا يقلّ عن الضبّاط المقاومين للمستعمر والملك فاروق؟
لا تزال حلقات «حارة اليهود» لم تكتمل بعد، بيد أن الخطوط العريضة رُسِمت بالمجمل، وهو ما قد يثير جدليات مصرية وفلسطينية وعربية أكثر من تلك التي أُثيرت حتى الآن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش