الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا تجعل الحياة عبئًا عليك

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2018.
عدد المقالات: 267

كل شيء سيختفي، كل شيء سينتهي في يوم ما، لا تدوم نعمة، كما لا تدوم مصيبة، فدوام الحال من المحال، ولا يملك الإنسان أمام حوادث الدنيا إلا الصبر، وبالهمة العالية وبذل الجهد تتحقق الأمنيات. ولا يتوقف عن السير تجاه أمنياته إلا كل ضعيف قد تكسرت أحلامه عند اصطدامه بأول عائق أو مشكلة. أما من كان عوده صلبا، وهمته في عنان السماء، فلا تزيده الصعوبات إلا قوة، ولا تمنحه المشكلات إلا روحا قتالية عالية، فالإنسان الذي يركّز على هدفه ويصرّ عليه، لا بدّ أن يصل إليه في يوم من الأيام، أما الملتفِتْ فلا يصل أبدا.
إرادة الحياة هي التي تجعلنا نتمسك بها، ونضفي عليها قيمة هائلة، ونرغب في المزيد منها، متناسين أن الإنسان مهما طال عمره فمصيره إلى زوال. كما أن الشمس تشرق، فلا بدّ لها أن تغيب، وكما أن النهار يأتي، فلا بدّ من أن يولي هاربا ليحل محله الليل والظلام، هذه هي الحياة، وجود وعدم، ظهور واختفاء، إقبال وإدبار، نور وظلام، لا شيء يبقى ولا شيء يدوم، فالعسر بعده يسر، واليسر بعده عسر، والصحة بعدها مرض، والمرض يليه الصحة، من فهم هذا المنهج التي تمشي عليه الدنيا أيقن أن لا يأس مع الحياة؛ لأنها تدور وتتغير، ولا تقف على حال. ولا حياة مع اليأس؛ لأن اليائس يفقد طعم الحياة، وتصبح الدنيا أمامه سوداء كالحة، لا لون لها ولا نكهة، فلا يرى جمالها، فتقل رغبته فيها؛ لعدم استمتاعه بها، لذلك لن تجد مع اليأس معنى للحياة.
إن أخطر ما يهدد متعة الحياة، أو الحياة نفسها، الدخول في دوامة اليأس، لأن اليائس يحرم نفسه من مباهج الدنيا، فيصير كمن يدخل دارا للأوبرا تُعزف فيها أروع السيمفونيات لبيتهوفن وموزارت وكارل أورف، لكنه قد سدّ أذنيه بما يمنع وصول الأصوات إليه، فعاش في كآبة قاتلة، لأنه لا يستمتع بشيء، وما عليه كي يزيل كآبته إلا أن يزيل السدادات عن أذنيه، فيستمتع كغيره من الناس بأعذب الألحان.
فالإنسان نفسه هو من يضع النظارات السوداء على عينيه، والسدادات على أذنيه، فيمنع كلّ مباهج الدنيا من الوصول إليه، وسيظلّ مكتئبا إن بقي على حاله هذه، ولن تنفعه كلّ حبوب الاكتئاب، بل عليه أن يزيل تلك العوائق، وأن يستمتع بالدنيا، وأن يتحدى كلّ العقبات التي تواجهه، ولن يموت الإنسان قبل انتهاء أجله، ورزقُه دوما على الله.
قد لا يجد الإنسان العمل المناسب، وقد لا تجد الفتاة الزوج المناسب، وقد لا يجد رب الأسرة الدخل المناسب، لكن هذا لا يعني نهاية الحياة، ولا يعني أن يستسلم كل واحد منهم للواقع، بل عليه أن يسعى لتغيير هذا الواقع بكل ما أوتي من قوة وعزم وحزم. وهل يملك الإنسان غير هذين الخيارين؟ إما الاستسلام، والدخول في نوبات الحزن والقهر والاكتئاب، وإما التحدي والجدّ والاجتهاد، وكل واحد منا يملك خياره وقراره.
من يفقد روح التحدي تكون الحياة عبئا عليه، وحِملا ثقيلا على ظهره، ووقتُها يمرّ ببطءٍ خانق، وألوانها باهتة، وطعمها مرّ. أما من يتحدى ويتصدّى فالحياة بالنسبة إليه أمل وأمنيات وأحلام قابلة للتحقيق، ولا أدل على ذلك من سعيه في سبيل تحقيق أمانيه، وشغفه بهذا السعي، وفرحه بكل نصر يحققه مهما كان صغيرا، لأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، والنصر الصغير كالخطوة، يصل صاحبها إلى الهدف إذا واصل المسير، ومن سار على الدرب وصل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش